الإثنين 17 يونيو 2024 02:37 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عادل القليعي يكتب : جبر الخواطر....من أمهات الفضائل.

دكتور عادل القليعى
دكتور عادل القليعى

فإنه قبل الحديث عن الاشتقاقات اللغوية والمفاهيم الاصطلاحية لجبر الخواطر
ضرورة ملحة فرضها علينا واقع نحياه ، هذه الضرورة تتمثل في سؤال يطرح نفسه على كاتب المقال لماذا كل حين تكتب وتتحدث عن هذا الموضوع.؟!
من باب الذكرى ، (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)
لأننا جميعا في حاجة إلى التذكرة فقد تخترمنا الحياة وتأخذنا في طريق قد ينسينا أنفسنا ومن ينسى نفسه سينسى كل شئ ، ينسى كان ماذا وما كان حاله ، وإلى ماذا صار حاله ، فقد يكون فقيراً فيغنيه الله ، وقد يكون مغمورا نكرة لا أحد يعرفه ثم يصير مشهورا تسلط عليه الأضواء والشهرة ، فينجرف فى تيارها الغريق وينسى اصله وفصل ويتعالى على عباد الله كاسرا خواطرهم حتى قد يرفض أن يمد يده لمصافحة الناس خوفا من أن يصاب بعدوى مثلا أو كمن يرتفع صوته موبخا خلق الله لمجرد أن قام بلمسه أحد ، ما هذا الذي نراه ونشاهده ، نعم نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، واليوم أنتم في حال ، ما ادراكم إلى أي حال ستصيرون.؟!
لذا وجب علينا التذكرة بفضيلة جبر الخواطر وأنها عبادة منسية قد تكون طريقا إلى دخولنا الجنة.
أما عن الاشتقاق اللغوي لجبر الخواطر،
جبر خاطره طيب خاطره،أجاب طلبه وواساه في مصيبة حلت به.
أزال انكساره وأرضاه عن طيب خاطر عن رضى.
المضاد لها،كسر خاطره،خيب أمله
مكسور الخاطر أي الحزين الذليل.
من أجل خاطرك لخاطرك إكراما لك.
وجبر الخواطر بكلمة تكسب قلبا وبكلمة تخسره،فحاول أن تريح القلب ولا ترهقه.
وجبره أي طيبه وداواه وأزال همه وغمه.
اجتبر العظم جبره
استجبر الفقير صلحت حاله بالإحسان إليه.
انجبر اليتيم أخذ حاجته
انجبر خاطره طاب.
والجبر مذهب فلسفي يعني الإنسان ليس له إرادة ولا حرية ومجبرا في أفعاله جبرا،عكسه المذهب القدري الذي يعني أن الإنسان حر وقدره بيده وهو صانع لأفعاله.
جبر الخواطر عبادة وقربة نتقرب بها الله تعالي،نتقرب بأعمالنا الصالحة ومنها جبر الخواطر لعل الله سبحانه وتعالى يكشف ويصرف عنا ما نحن فيه من الرزايا والبلايا التي حلت بالعباد والبلاد.
ولما حل بنا وبمجتمعنا من انهيار قيمي وتدن أخلاقي- إلا من رحم ربي-ولحالة العبث والفوضى واللامبالاة التي نشهدها الآن.
ولذيوع الأنانية وانتشارها وطغيان الأنا (مصلحتي قبل كل شيئ.)
وفقدان الإحساس بالآخر وفقدان التكافل الإجتماعي بين أفراد المجتمع وفقدان قيمة العدل والمساواة بين المواطنين.
فبات التصنيف جليا طبقة عليا،طبقة متوسطة،طبقة معدمة.
طبقة عليا ليس لها هم اللهم إلا إشباع حاجاتها المادية من تحقيق مكاسب وثروات ومناصب وجاه وسلطان لا تلقي بالا لأحد لايهمها شيئ إلا مصلحتها بل وتتفن باستخدام كل ماهو متاح لها وغير متاح لتحقيق أهدافها النفعية وللأسف واعي ما أقول هم كثر في عصرنا الحالي. فواقعنا المعيش تغلب عليهم النزعة الانتهازية والاستغلالية.
وطبقة متوسطة تكافح من أجل البقاء،من أجل أن تربي أبنائها تربية حسنة صالحة،يتفننون في تدبير أمورهم المعيشية،ينتظرون بفارغ الصبر قدوم آخر الشهر ليصرفوا رواتبهم التي يوزعونها قبل أن تقع في أيديهم.
طبقة تكافح من أجل البقاء ليس لهم طمع في ثروات ولا جاه.
وطبقة معدمة وتنقسم إلي قسمين:قسم عفيف النفس لايسأل الناس إلحافا،يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف،تعرفهم بسيماهم ولنا المثل في أبي هريرة رضي الله عنه عندما دخلت سيدة علي النبي صلي الله عليه وسلم وبيدها غبوق من لبن واعطته للنبي كي تتصدق به علي أهل الصفة.
والصفة هذه هي بناية ملحقة بمسجد النبي بناها عليه الصلاة والسلام ليقيم فيها فقراء الصحابة ومنهم سيدنا أبو هريرة.
فسقي النبي جميع الصحابة إلا أبا هريرة وهو يتضور جوعا ولم يطلب من النبي استحياء منه،فنظر النبي وقال يا أبا هر إني أراك جوعانا وأعطاه الإناء وشرب حتى ارتوي.
وهم كثر في واقعنا المعيش،لا يمتلكون حتي قوت يومهم،لا ورب محمد لا يمتلكون حتي ثمن وجبتهم،لكنهم يستغنون عن الخلق بالخالق.
وقسم وضيع النفس ذليلها أهل للتسول يجوب الشوارع ليلا ونهارا متسولا يمد يده لفلان وفلان وقد يعطى ومرات عديدة يهان ويمنع ويسمع كلام تأباه النفس الكريمة لكنهم مردوا على ذلك ،وهذا القسم يتحقق فيه قوله تعالي (فمن يهن الله فما له من مكرم)
هذه هي صنوف مجتمعاتنا التي نحياها.
كيف نخرج من هذه الأزمات التي تلاحقنا الواحدة تلو الأخري.؟!
وتتوالى اجاباتي على سؤال طرحته.
إحياء قيمة وفضيلة جبر الخواطر التي من خلالها يتحقق التكافل الاجتماعي والعدل والمساواة،فنحن نعيش في مجتمع مدني والإنسان مدني إجتماعي بطبعه،فإذا ما تحققت المعادلة وتحقيقها ليس صعبا،بمعني إذا عطف الغني وأعطى من مال الله الذي أعطاه للفقير سيشعر الفقير أن هناك من طبطب عليه وواساه ووقف بجواره وأعانه على تربية أولاده وساعده في تجهيز ابنته،أليس هذا جبرا للخواطر.
وجبر الخواطر لايكون مقصورا على الإعانات المادية فقط بل جبر الخواطر يكون معنويا أيضا فقد يكون الإنسان المحبط المكسور الخاطر ثريا جدا لكنه يشعر بألم معنوي وضيق في صدره،لماذا لانمد له يدنا ونحتضنه وإذا تحدث نسمع له ونسمع شكايته لماذا لانجبر خاطره ولو بكلمة طيبة ولو ببسمة صافية من القلب تخرجه من حال إلي حال.
وجوه جبر الخواطر كثيرة،ولنا في أنبياء الله الأسوة والقدوة،ألم يجبر ربنا بخاطر سيدنا زكريا فبعد أن بلغ من الكبر عتيا وهبهه الله يحيي.
ألم يجبر ربنا خاطر سيدنا أيوب أن من عليه بالشفاء بعد سنين مرض طوال،ألم يجبر الله تعالى خاطر سيدنا ابراهيم بأن نجي إسماعيل وفداه بذبح عظيم.
ألم يجبر جل وعلا خاطر موسي كليم الله أن شد عضده بأخيه هارون.
ألم يجبر خاطر المعصوم بأنه جعله خاتم الانبياء والمرسلين.
أليس لنا في هؤلاء المصطفين الأخيار الأسوة والقدوة،فلماذا التعالي على خلق الله لماذا النظرة الدونية،لماذا الوساطة والمحسوبية،لماذا لانجبر بخاطر المحسنين من أهل الفكر والعلم والثقافة،لماذا لانقف بجوارهم ونخرج ما بداخلهم من فكر وثقافة وننشره حتى يستفيد منه الجميع.
لماذا لانجبر خاطر الطلاب ونجتهد في إخراج كل ما لدينا من علم لهم ونترك نزعة التعالي عليهم والاستعلاء فنحن قد من الله علينا وجاد فلماذا لانجود،فالجواد كريم.
لماذا نخرج الأهالي الذين أتوا ليفرحوا بأبنائهم الذين يتقدمون للحصول علي درجات الماجستير والدكتوراة لماذا تخرجهم من القاعات مكسورين الخاطر حتى ولو كانت هناك بعض الهنات التي يمكن تداركها بعد ذلك أن يخرجوا مجبورين الخاطر أفضل أم يخرجون مخذولين مكسورين لا والله مجبورين .
جبر الخواطر عبادة وقربة نؤجر ونتقرب بها إلى الله تعالي،إذا ما تحققت هذه الفضيلة سيحدث التوافق الاجتماعي والنفسي بين أفراد المجتمع وستقل الأمراض النفسية التي قد تنشأ بسبب كسر الخواطر.
فهل جبرنا خواطر بعضنا البعض ،هل اقتدينا بربنا والأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه،هل جبرنا خواطر الأرامل والأيتام وأصحاب الاحتياجات الخاصة،هذه دعوة مني لذلك.
وأشد علي عضد وأيدي قادتنا في مصرنا مما نشاهده من احتفالات بالأيتام والأرامل والشهداء.بارك الله فيكم وفي كل من سيجبر بخاطرنا ورحم الله من جبر خاطري..
أستاذي رحمات ربي تتنزل عليه تترا.

#أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان.

عادل القليعى دكتور عادل القليعى مقالات عادل القليعى جبر الخواطر....من أمهات الفضائل الجارديان المصرية