الأحد 19 مايو 2024 10:16 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الموسيقي و الأديب السكندري محمد سلطان يكتب : ( مشوار الحياة )

الموسيقي و الأديب السكندري محمد سلطان
الموسيقي و الأديب السكندري محمد سلطان

بعد أن أفاقت من البنج _ حيث أن الولادة تمت بعملية قيصرية _ تلفتت روحية حولها , فلم تجد أثرا لمولودها .. سألت عليه الممرضة فأخبرتها بأنه قد فارق الحياة بعد ولادته بدقائق ... حزنت و بكت وليدها الذي لم تره , لكنها بعد ذلك عادت و استغفرت و حمدت الله الذي لا يحمد على مكروه سواه .. فقد كانت تفكر طويلا في ذلك المستقبل المجهول الذي ينتظره , حيث أنها أم لأربعة أولاد و زوجها عامل باليومية في مصنع أسمنت و دخله بالكاد يسد احتياجاتهم الضرورية .. فما بالك لو أتى وافد جديد .. و الحقيقة أن روحية عاشت مع زوجها قصة كفاح مريرة , لضيق ذات اليد .. و لما كان الأمر كذلك , فقد اهتدت لطريقة تمكنها من مشاركة زوجها في تحمل أعباء المعيشة ...فكانت تجلس كل يوم أمام المنزل ببعض أقفاص الخضار تبيعها لسكان الحى ... و هكذا كانت الحياة تستمر و الأيام تمر .. ثم سعت فيما بعد لإدخار ما يمكن ادخاره .. و بعد ثلاث سنوات تمكنت من شراء قطعة أرض صغيرة و قامت هى و زوجها يساعدهما الأبناء ببناء غرفة صغيرة تأويهم .. و بمرور الوقت اشتد المرض على الزوج .. و أخيرا أخبره الطبيب أنه مصاب بالسل الرئوي .. و رغم نزول الخبر كالصاعقة على رأس روحية , إلا أنها تماسكت و استجمعت كل قواها و طلبت من زوجها _ في إصرار لا رجعة فيه ألا يذهب للعمل .. و ستتكفل هى بتلبية احتياجات الأولاد , إلى جانب نفقات الأدوية و العلاج لزوجها ....
_ الحمل بقى كتير أوي عليكي يا روحية ..
_ يا اخويا ما تقولش كده . دا انتا جوزي و شريك حياتي و أبو أولادي
_ أصيلة و الله يا روحية
هكذا كان الحوار دوما بين روحية و زوجها .. إنه بالفعل يقطر عذوبة و شجنا
و عليه فقد تحملت روحية كل تلك الأعباء الثقال , فهى موزعة بين بيع الخضار و متايعة أولادها و زوجها الممدد على السرير أغلب الوقت من سدة المرض .. لكنها لم تيأس و لم تهن لها عزيمة .. و لم تتململ أبدا ...
كانت روحية قد تعرفت أثناء الولادة على سيدة بالسرير المجاور لها و التي أكدت لها ضرورة التزاور و التعارف بعد خروجهما من المستشفى ...
و في عصر أحد أيام الصيف تذكرتها .. و بعد أن فرغت من البيع , تداعى إلى ذهنها زيارة تلك الصديقة العابرة .. إستأذنت زوجها و توجهت إلى منزل صديقتها .. و ما أن دخلت و سلمت على الحضور و همت بالجلوس .. إذ برجال مباحث الآداب يقتحمون المنزل و يلقون القيض على من فيه و هى منهم .... لم تدر بنفسها إلا و هى نزيلة الحبس , إنتظارا لموعد الجلسة ..
كل ذلك و زوجها العليل لا يعلم شيئا عما حدث .. بحث عنها في كل مكان , فلم يجد لها أثرا .. و هى بالتالي لا تعرف كيف تخبره أو حتى كيف تلقاه ...
تصادف أحد الجيران برؤيتها في محبسها , و علم بالموضوع من بعض النزيلات , فتوجه على الفور لزوجها و أخبره بموعد نظر القصية ..
توجه الزوج للمحكمة برفقة أبنائه .. و ما أن وقعت عيناه عليها داخل قفص الإتهام .. إلا و توجه نحوها
_ يا سلام يا روحية .. دي بقى الشغلانة اللي كنتي بتصرفي علينا منها ؟
_ أبدا و الله يا اخويا .. مظلومة ..و الله العظيم مظلومة
_ يا ريتك يا شيخة ما صرفتي .. يا ريتك ما جبتيلي علاج .. يا ريت سبتيني اموت أكرم لي .
_ صدقني مظلومة ... دي أول مرة أروح لهم
_ روحي الله يسامحك و انا و العيال لينا رب إسمه الكريم .
و هنا تعالت أصوات بعض الحضور الذين كانوا يقفون بجوار القفص يطالعون ذلك المشهد المؤئر :
يا عم مش كده .. يا راجل حرام عليك .. دي باين عليها مظلومة و الله .
و هنا يصرخ الحاجب ( محكمة ) .. يسود القاعة صمت تام .. يدخل القاضي و بقية المنصة ... تتوالى إجراءات المحاكمة
القاضي موجها كلامه لها : إنما انتي إيه علاقتك بالناس دول يا روحية ؟
تبكي بحرارة و ترد بتلعثم و ارتباك : مظلومة و الله يا بيه ..بقى دي معقولة .. دا انا عندي اربع عيال .. شقيانة و طافحة الدم عشان اربيهم .. أنا ما اعرفش حاجة زى دي .. دي أول مرة ازورهم و الله .. ثم اختنق الكلام بين شفتيها و انهارت تماما ...
و فجأة وقفت السيدة التي بجوارها في القفص لتقطع ئلك الحوار , بطريقة لفتت أنظار كل من بالقاعة :
_ أنا عاوزة اتكلم يا سعادة البيه
_ ما انتي اتكلمتي قبل كده ... عايزة تقولي إيه تاني ؟
_ مشيرة إلى روحية .... الست دي مفيش بيننا و بينها أى صلة
_ أمال ازاى كانت بتزوركم ف البيت ؟
_ أبدا يا باشا .. دي كانت أول مرة تيجي لنا فيها ( ثم حكت قصة التعارف في المستشفى و دعوتها لها لزيارتها بعد الخروج )
_ يعني هى دي كل معرفتك بيها ؟
_ أى و الله العظيم يا سعادة البيه
_ الحكم بعد المداولة .. رفعت الجلسة
تغادر هيئة المحكمة .. ثم تعود بعد استراحة قليلة
تحتبس الأنفاس إنتظارا للنطق بالأحكام :
جكمت المحكمة حضوريا على روحية خليل العطار بالبراءة
إنطلقت الزغاريد تدوي في قاعة المحكمة , و ارتسمت علامات البشاشة و الإرتياح على كل الحضور .. بمن فيهم اللائي كن معها داخل القفص
و بسرعة ىهرول الزوج و الأولاد إلى باب المحكمة .. إنتظارا لخروج روحية
و ما أن تطل من الباب .. حتى يرتمي الزوج في أحضانها و هو يبكي بصوت مبحوح : سامحيني يا روحية .. أنا ظلمتك كتير .. سامحيني
تنظر إليه و الدموع تنهمر من عينيها : و الله مسامحاك من كل قلبي ... ثم تمسك يده برفق و تقبلها ..
و تخرج روحية من باب المحكمة , تتأبط ذراع زوجها المريض و معهما الأولاد .. متجهين مرة أخرى .. حيث بيتهم الصغير
ليكملوا معا ........ مشوار الحياة .