الخميس 23 أبريل 2026 05:12 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : التحول الرهيب في ملف اللاجئين في مصر بين واجب الإنسانية وحدود الأمن القومي

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

لم تكن مصر يومًا أرضًا طاردةً للغريب، بل كانت عبر تاريخها الطويل ملاذًا لكل من ضاقت به الأرض بما رحبت، فاحتضنت اللاجئين وفتحت لهم أبوابها دون تمييز، إيمانًا منها برسالتها الحضارية والإنسانية. فمنذ عقود، استقبلت مصر موجات متعددة من الأشقاء العرب والأفارقة وغيرهم، وقدمت لهم ما لم تقدمه دول كثيرة تملك من الإمكانيات أضعاف ما تملكه الدولة المصرية. لم تُقم معسكرات عزل، ولم تُغلق أبواب العمل والتعليم، بل اندمج اللاجئ في المجتمع، وعاش كأنه واحد من أبنائه.
لكن ما نشهده اليوم لم يعد مجرد امتداد طبيعي لهذا الدور الإنساني، بل تحول إلى ملف بالغ التعقيد، يحمل في طياته تحديات اقتصادية وأمنية واجتماعية لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها. فالأعداد المتزايدة بشكل غير مسبوق، في ظل ظروف اقتصادية عالمية ضاغطة، وضعت الدولة المصرية أمام اختبار صعب بين الحفاظ على قيمها الإنسانية وبين حماية أمنها القومي واستقرارها الداخلي.
لقد أصبحت البنية التحتية في كثير من المناطق تحت ضغط هائل، بدءًا من الخدمات الصحية والتعليمية، وصولًا إلى المرافق الأساسية وفرص العمل. ومع محدودية الموارد، لم يعد من السهل استيعاب هذه الزيادات دون تأثير مباشر على المواطن المصري البسيط، الذي بدأ يشعر بأن نصيبه من الخدمات يتآكل تدريجيًا. وهنا تبرز المشكلة الحقيقية: ليس في وجود اللاجئ ذاته، ولكن في غياب التنظيم الدقيق والإدارة الصارمة لهذا الملف.
الأخطر من ذلك، أن هذا الوضع قد يفتح الباب أمام استغلال خبيث من بعض الأطراف التي لا تريد لمصر الخير، حيث يمكن توظيف هذا التكدس البشري في إشعال الفتن الاجتماعية، أو نشر الشائعات، أو خلق حالة من الاحتقان بين المواطنين والوافدين. فالتاريخ يعلمنا أن الفوضى لا تبدأ دائمًا بالسلاح، بل قد تبدأ بكلمة، أو أزمة مفتعلة، أو صراع على مورد محدود.
ولا يمكن إنكار أن هناك من يسعى لاستغلال هذه القضية لتوجيه ضربات غير مباشرة للاقتصاد المصري، سواء عبر الضغط على العملة، أو زيادة الطلب على السلع والخدمات بشكل يفوق قدرة السوق، أو حتى من خلال أنشطة غير قانونية تؤثر على الاستقرار العام. كل ذلك يستوجب وقفة جادة، لا تقوم على العاطفة وحدها، بل على رؤية استراتيجية شاملة.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن الغالبية العظمى من اللاجئين جاءوا هربًا من الحروب والدمار، وليسوا طرفًا في أي مخطط أو تهديد، بل هم ضحايا في المقام الأول. ومن الظلم تحميلهم وزر أزمات معقدة تتداخل فيها عوامل دولية وإقليمية. لذلك، فإن المعالجة الحقيقية لهذا الملف يجب أن تقوم على التوازن: تنظيم لا إقصاء، وضبط لا قسوة، وحماية للدولة دون التخلي عن القيم.
إن المطلوب اليوم ليس خطابًا متشنجًا، بل سياسات واضحة: حصر دقيق للأعداد، تنظيم سوق العمل، تشديد الرقابة على الأنشطة غير القانونية، توزيع عادل للخدمات، والتعاون مع المجتمع الدولي لتحمل مسؤوليته بدلًا من ترك مصر تتحمل العبء وحدها. كما يجب تعزيز الوعي المجتمعي لمنع الانزلاق نحو الكراهية أو التعميم، لأن ذلك في حد ذاته خطر لا يقل عن أي تهديد آخر.
وفي ختام هذا الملف الشائك، لا بد أن نقف أمام الحقيقة كاملة دون مواربة: إن ما تمر به مصر في ملف اللاجئين، وبخاصة الأشقاء السودانيين، ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين الواجب الإنساني والحفاظ على كيانها الداخلي. فالسودانيون في مصر ليسوا غرباء، بل امتداد طبيعي لوحدة الجغرافيا والتاريخ والنيل والمصير، وقد جمعتنا بهم روابط الدم قبل أن تجمعنا الظروف. ومن ثم فإن التعامل مع هذا الملف لا يجب أن ينزلق إلى خطاب قاسٍ أو نظرة ضيقة، لأن ذلك لا يليق بمصر ولا بتاريخها.
لكن في الوقت ذاته، فإن استمرار الأوضاع بلا تنظيم صارم ولا رؤية واضحة قد يفتح أبوابًا لا تُحمد عقباها. فالدول لا تُدار بالنوايا الطيبة وحدها، بل بالسياسات المحكمة، والقدرة على ضبط الإيقاع قبل أن يختل. وإذا كان الواجب يفرض علينا أن نمد يد العون، فإن المسؤولية تفرض علينا أيضًا أن نمنع أي استغلال لهذا الملف، سواء من تجار الأزمات، أو من أصحاب المصالح الخفية، أو من قوى لا تريد لمصر استقرارًا ولا قوة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في اللاجئ الذي فرّ من ويلات الحرب، بل في الفوضى التي قد تنشأ إذا تُركت الأمور بلا ضابط، وفي الأصوات التي تحاول إشعال الفتنة بين أبناء الوطن وضيوفه، وفي الأيادي التي تعبث من خلف الستار لتأجيج الأزمات وضرب الاستقرار. وهنا يجب أن يكون الحسم حاضرًا، والتنظيم حاسمًا، والرقابة يقظة لا تنام.
مصر لم ولن تغلق أبوابها في وجه الملهوف، لكنها أيضًا لن تسمح بأن تتحول إنسانيتها إلى نقطة ضعف تُستغل ضدها، أو إلى عبء يهدد استقرارها الاقتصادي والاجتماعي. فالوطن ليس مجرد أرض تُفتح للجميع بلا حساب، بل كيان له حدود وقدرات، وإذا لم تُحترم هذه الحدود، فإن الجميع سيدفع الثمن، مواطنًا كان أو ضيفًا.
ومن هنا، فإن المرحلة القادمة تتطلب قرارات جريئة ومدروسة، تُعيد ضبط هذا الملف بدقة، وتُحقق العدالة بين الجميع، وتحفظ للدولة هيبتها، وللمجتمع تماسكه. كما تتطلب وعيًا شعبيًا يرفض الانسياق وراء الشائعات أو دعوات الكراهية، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول هذا الملف إلى شرخ في جدار الوحدة الوطنية.
وفي النهاية، ستبقى مصر كما عهدناها: قلبًا مفتوحًا، لكن بعقلٍ واعٍ، ويدًا ممدودة، لكن بقبضة قادرة على الحماية. فالتاريخ لا يرحم الدول التي تفرّط في أمنها، ولا الشعوب التي تغفل عن التحديات التي تحيط بها. ومصر، التي عبرت أزمات أشد وأقسى، قادرة اليوم أيضًا على أن تعبر هذا التحدي، بشرط أن نُحسن القراءة، ونُحكم القرار، ونُقدّم مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

حسين السمنودى التحول الرهيب في ملف اللاجئين في مصر بين واجب الإنسانية وحدود الأمن القومي الجارديان المصريه