د/ مصطفى يونس احمد يكتب : طرق التجارة والممرات الدولية..أوراق شكلت الكثير من السياسات الدولية ” تاريخياً”
تشير الكثير من الكتابات والتحليلات السياسية بشأن الحرب الامريكية الاسرائيلية – الإيرانية إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أخطأت فى بعض التقديرات الخاصة بهذه الحرب خصوصاً فيما يتعلق بالإمكانيات العسكرية والسياسية لإيران، وأنها لم تدرك حجم تداعيات إغلاق مضيق هرمز رغم تصدر السناريو الخاص به كل النقاشات الإستراتيجية في أحاديث ما قبل الحرب فى الدوائر الأمريكية.
وفى الوقت الذى تبادل فيه الطرفان الأمريكى والإيرانى – قبل الحرب وأثناء الحرب وحالياً مع الهدنة - تشكيك كلاً منهما فى قدرة الآخر على تنظيم العمل فى المضيق ، وقال الأمريكيون بعدم قدرة إيران على غلقه فى البداية ، ثم حاولوا – مع تحكم إيران فيه - ايجاد رأى عام دولى أو تحالف ضد الإجراءات الإيرانية ، ثم أعلنوا مرافقة سفتهم الحربية للحاويات وناقلات النفط لضمان عدم تعرض الإيرانيين لها ، ثم أعلنوا –كذلك - قدرتهم على فتح المضيق امام كل السفن ما عدا السفن الإيرانية بعد تطبيق الحصار على موانيها معتمدين فى ذلك كله على تفوقهم البحرى ، وأخيراً أعلنوا أن كاسحات الألغام تقوم - حالياً - بتطهير المضيق من الألغام فإن أى من تلك الإجراءات لم تثبت فاعليتها حتى الأن ، فى الوقت نفسه نفذت إيران عمليات فتح وإغلاق عمليه امام من ارادت بفضل اعتمادها على أرضها وتضاريسها "جغرافيتها" واسطولها المدرب على ذلك "اسطول البعوض" ، وفى ظل كل هذا ذاق العالم كله أو على الأقل من يعتمدون على مصادر الطاقة من منطقة الخليج والعراق وإيران تأثير عمليات الفتح والإغلاق والتعطيل وغيرها فى اقتصاداتهم.
من هنا تتضح أهمية طرق التجارة والممرات المائية الدولية ؛ إذا فرض مضيق هرمز نفسه على أحاديث ونقاشات هذه الحرب بشكل كبير بعد أن أصبح ورقة ضغط وساحة للحرب رغم أنه لم يكن اسبابها ، ولم يتوقف الأمر خلال هذه الحرب عن هرمز وحسب بل تبع الحديث عنه أحاديث عن مضيق باب المندب وقناة السويس القريبين من مسرح الأحداث والواقعين فى نفس منطقة الصراع ( منطقة الشرق الأوسط) ، وكذلك الحديث عن الممرات المائية وطرق التجارة بشكل عام .
والحقيقة التى لا تقبل جدالاً أن السيطرة على طرق التجارة والممرات المائية (القنوات والمضائق) كانت - على مــــر التاريخ - محركاً رئيسياً للتاريخ الجيوسياسي ؛ إذ سعت القوى الكبرى( الدول والامبراطوريات) عبر العصور للسيطرة على والطرق التجارية والممرات و"نقاط الاختناق" البحرية من أجل فرض هيمنتها الاقتصادية والعسكرية بهدف تسهيل نقل البضائع من ناحية ، وتقييد المنافسين والتحكم في إمدادات الطاقة والموارد من ناحية آخرى.
وفى عصرنا الراهن أصبحت الممرات المائية ويمثلها : ( مضيق هرمز ، ومضيق باب المندب ، ومضيق جبل طارق ، ومضيق ملقا / ملجا ، ومضيقى الدردنيل والبسفور، وقناتى السويس وبنما) ساحات للتنافس الجيوسياسي والضغط الاستراتيجي ، وأصبح نراه اليوم حول تلك الممرات وما يثار حولها كلما لاحت أزمة فى هذه المنطقة أو تلك يفتح النقاش مجدداً حول الحروب التي اشتعلت – تاريخياً- نتيجة رغبة القوى العظمى في السيطرة عليها على مر العصور.
ففى " بلاد اليونان ، الرومان ، بلاد فارس ، ممالك الجزيرة العربية" شهدت طرق التجارة مثل "طريق الحرير وطريق البخور" حروباً ضارية من أجل احتكار السلع الثمينة كالحرير والتوابل والذهب ، واتسمت تلك الحروب – كحروب اليوم - بالحصارات البحرية والنزاعات المسلحة . ومن أبرزها الحرب "البيلوبونيسية 431 – 404 ق. م" ، التى قادت فيها"اسبرطة" اليونانية حربا طويلة ودموية ضد "أثينا"، وانتهت بانتصار"أسبرطة" وانهيار الإمبراطورية "الأثينية"، وأفول نجم المدن الإغريقية وإعادة تشكيل خريطة القوى في اليونان.
كذلك جاء الصراع الروماني - القرطاجي والذى اطلق عليه (الحروب البونيقية 264-146 ق. م) ، وخلاله خاضت روما سلسلة من الحروب للسيطرة على طرق التجارة في البحر المتوسط ضد قرطاج الفنيقية انتهت بانتصار روما وتوسعها فى البحر المتوسط وتحولها إلى "قوة مهيمنة" في العالم القديم.
اما طريق "البخور" الذى كان يربط الهند وجنوب الجزيرة العربية بموانئ البحر المتوسط ، مما جعل المسيطر عليه يتحكم في تدفق السلع الفاخرة (البخور، التوابل، اللؤلؤ) إلى الإمبراطوريات الكبرى كاليونان وروما ومصر ، فقد بدأ الصراع اع حوله والإهتمام به من جانب الإغريق والرومان عندما سيطرت مملكتى "سبأ وحمير" عليه فى الجنوب، وسيطرت عليه مملكة الأنباط فى الشمال ، وكذلك مملكة لحيان: التي تحكمت في حركة القوافل التجارية ، وكانت بضائعة ، وكذلك الرسوم والضرائب "تستنزف" ثروات الإغريق والرومان الذين لم يستطيعوا الاستغناء عنها لاستخدامها في طقوس معابدهم وأعيادهم الدينية وعلاجهم ، وقد أغرت كتابات الرحالة والمؤرخين عن ذلك الطريق وتلك المنطقة "أغسطس قيصر63 ق. م- 14 م" بالسيطرة عليه ، فاستشار حليفه الملك النبطي "عبادة الثالث 30 - 9 ق.م" بالأمر، فرحب بالفكرة ، لكن الحملة الرومانية انتهت بالفشل نتيجة الصعوبات الجغرافية ، و"خيانة" الوزير النبطي "سلى" الذي قاد القوات في مسالك صحراوية منهكة .
وعبر العصور المختلفة للدولة الاسلامية لعب المسلمون دوراً محورياً في السيطرة على طرق التجارة العالمية ، مستفيدين من موقع دولتهم الاستراتيجي الذي ربط بين قارات العالم القديم ؛ إذ سيطرت الحواضر الإسلامية (مثل بغداد، القاهرة، القيروان، وفاس... وغيرها) على الممرات المائية الحيوية مثل البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق جبل طارق ، وكان طريق الحرير من اهم الطرق التى سيطر عليها المسلمون بشكل كامل بحلول منتصف القرن الثامن الميلادي ، كما سيطر المسلمون ايضاً على طريق التوابل الذى امتد من الهند عبر المحيط الهندي والخليج العربي والبحر الأحمر وصولاً إلى الموانئ العربية، وكذلك سيطروا على طريق البخور الذى تقدم ذكره ، وطريق التجارة عبر الصحراء الكبرى مما ساهم في ازدهار ممالك إسلامية في أفريقيا مثل مالي وغانا، كما كانت القوة البحرية والعسكرية مثل الأساطيل الإسلامية التى كانت تحمى الموانئ والطرق البحرية من القراصنة والمنافسين ، وايضاً الأخلاقيات التجارية والالتزام بضوابط التجارة في الإسلام إلى احككام سيطرة المسلمون على تلك الطرق المهمة لعقود طويلة ، وإن دفع ذلك القوى الأوروبية للبحث عن طرق بديلة للالتفاف حول العالم الإسلامي، مما مهد لعصر الكشوفات الجغرافية.
وفى عصر الهيمنة الأوروبية عقب الكشوف الجغرافية ، أحكمت إسبانيا والبرتغال سيطرتهماعلى الطرق البحرية العالمية ، مما أدى إلى إنشاء أول شبكات تجارية عبر المحيطات ، ومع الاستعمار البريطاني والفرنسي: سعت الدول الأوروبية للسيطرة على طرق التجارة الآسيوية ، بما في ذلك الممرات المائية المؤدية إلى الهند.
وفى العصر الحديث وحتى السياسات المعاصرة طفت السيطرة على الممرات الاستراتيجية على السطح بشدة ؛ فمضيق الدردنيل فرض عليه العثمانيون منذ أواخر القرن الثامن عشر نظاماً صارماً من الرسوم على السفن التجارية ، مما جعله نقطة نزاع ؛ وقناة السويس: أصبحت محور الصراع الاستعماري، حيث سعت فرنسا وبريطانيا للسيطرة عليها لربط مستعمراتها، وكان ذلك سبباً في حملات عسكريةبما في ذلك حرب العدوان الثلاثى 1956.
كما يشهد مضيق باب المندب صراعاً تاريخياً على المرافئ والممرات المائية، حيث تحاول دول مثل إثيوبيا الوصول للبحر، بينما تتنافس القوى الدولية (مثل إسرائيل) على إدارة هذه المنافذ، كما برز البحر الأسود كممر حيوي لتصدير الحبوب والطاقة في الحرب الروسية الأوكرانية .
باختصار ؛ قامت حروب وصراعات عبر التاريخ على الممرات الملاحية من أجل السيطرة على حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب ومن مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك او بين المستعمرين والمستعمرات، ومن هنا نستطيع فهم وتفسير مجئ الحملة الفرنسية إلى مصر أوخر القرن الثامن عشر ، والتى جاءت للسيطرة على خطوط وطرق التجارة العالمية التي كانت تمر بالأراضي المصرية حتى قبل حفر قناة السويس ، حيث خططت فرنسا النابليونية لقطع طريق التجارة أمام غريمتها بريطانيا فقررت احتلال مصر والسيطرة على خطوط التجارة، وكانت هذه الخطوة مثار غضب البريطانيين الذي قرروا تسيير حملات استعمارية إلى مصر ثم تقييد مصر في مؤتمر لندن 1840 وصولا إلى احتلال مصر 1882، ثم حروب 1956 قبل أن تسلم الراية لإسرائيل لتشن حرب 1967 على مصر والهدف الأساسي كان قناة السويس ثم سيناء.
والخلاصة ، أن الحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى والتى طفت فيها قضية مضيق هرمز كممر مائى تجارى بالدرجة الأولى على سطح الأحداث ، تدعونا إلى النظر فى التاريخ ، لنجد أن ذلك الصراع يحمل فى باطنه صراع إمبراطوريات بين أمريكا والصين؛ ذلك أن أمريكا تريد قطع خطوط التجارة المرتبطة بخطوط الطاقة أو التحكم فيها ؛ إذ أن الطاقة وخاصة النفط هى المحور الأساسى الذي تدور حوله حياة العالم المعاصر، فهو شريان الحياة للاقتصاد العالمي، والسياسة الدولية ، والصناعات الحديثة ، رغم توجه العالم نحو الطاقة المتجددة ، إلا أن النفط لا يزال يمثل قرابة 29% من متطلبات الطاقة العالمية حتى عام 2045، مما يؤكد استمرار دوره المحوري.












إصابة ام وابنتها في حريق بالقناطر الخيرية
ضبط عامل لاتهامه بإصابة صاحب مخزن بطعنة نافذة في أوسيم
1 يونيه.. نظر طعن المتهم بالتعدي على الطفل ياسين فى البحيرة
مصرع سيدتين إثر انهيار غرفة بمنزل طيني في أخميم
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل