الجمعة 24 أبريل 2026 07:19 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور علاء الحمزاوي يكتب : الأرض المبــــاركـة

دكتور علاء الحمزاوي
دكتور علاء الحمزاوي

ــ يأتي هذا العنوان بمناسبة تحرير سيناء في 25 أبريل 1982، وما أجمل أن توصف أرض بالبركة؛ فهذه صفة عظيمة، وردت بمشتقاتها في القرآن إحدى وثلاثين مرة بمعان كثيرة، فجاءت بمعنى العظمة والعلو صفة لله؛ قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} أي تعالى وتعاظم، وجاءت بمعنى الهداية صفة للقرآن؛ قال الله: {وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} أي هادٍ لكم، وجاءت بمعنى الأمن والسلام صفة للمكان الذي هبط فيه نوح بعد الطوفان؛ حيث قال: {ربِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} أي منزلا آمنا سالما، فــ{قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ}، ومن معانيها النفع والإفادة صفة لعيسى؛ حيث قال: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ} أي نافعا للناس، ومن معانيها الطهارة صفة لماء السحاب؛ قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا} أي ماء طهورا، ومن معانيها الخير الكثير صفة لليلة القدر والبيت الحرام؛ قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} و{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا}، وصفة لرزق المؤمنين؛ قال الله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} فالبركة هنا بمعنى الخير الكثير، ووردت البركة بمعنى النعمة كما في دعـاء «وبَارِكْ على محمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ» أي أدِمْ عليهم النِّعَـم.
ــ وهذه المعاني تحققت في سيناء العظيمة؛ فقد نص القرآن على أنها أرض مباركة؛ قال ربنا: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ} الحديث هنا عن موسى، والشاطئ الأيمن أي الجانب الأيمن للوادي، وقيل: (الأيمن} من اليُمْن بمعنى البركة، وهذا يعني أنه واد مبارك في منطقة مباركة؛ ومن ثـم فسيناء كلها مباركة، وأكد القرآن ذلك بالقسَم بها مرتين: {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ}، {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ}، فالقسَم بالطور يعني أنه جبل مبارك، و{سِينِينَ} كلمة أعجمية تعني بالعربية المكان المبارك، والمراد بها سيناء.
ــ وسيناء أرض مباركة بالأنبياء؛ فقد شرَّفها إبراهيم ويعقوب ويوسف والأسباط وموسى وهارون وعيسى ورسول الله الذي صلَّى في جبل الطور كما في الحديث «قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِى أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطُورِ سَيْنَاءَ»، وفي العريش بسيناء فصَلَت العير الواردة في قوله تعالى: {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ} أي تتهموني بالتخريف وفساد عقلي، وفي رأس محمد بسيناء التقى موسى الخضر عند مجمع البحرين الوارد في قوله تعالى: {وإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغ َمَجْمَعَ الْبَحْرَيْن ِأَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}.
ــ سيناء أرض مباركة بكلام الله لموسى فيها، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا}، وقد كلَّمه الله حقيقة لا مجازا، وبصوت سمعه موسى ولغة فهمها؛ لأن الفعل {كَلَّمَ} مؤكَّد بالمصدر {تَكْلِيمًا}، والتأكيد يحمل الكلام على الحقيقة أكثر من المجاز، بل قيل: لا يجتمع التأكيد مع المجاز، فدل ذلك على أن الله كلَّمه حقيقة، وسجَّل القرآن كلام الله لموسى في قوله: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي......}، وجاء {نُودِيَ} مبنيا للمجهول للتشويق والحرص على سماع الكلام حتى يعرف أنه الله، و{طُوًى} اسم الوادي المقدس، والأمر بخلع النعل يدل على أنه مكان طاهر، والطهارة من معاني البركة.
ــ سيناء أرض مباركة؛ لأن الله تجلَّى للجبل فيها، قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْك قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}، الميقات الزمان والمكان المحددان لمناجاة موسى ربه، وقوله: {لَن تَرَانِي} نفي للرؤية في الدنيا؛ لأن تكوينه البشري لا يتحمِّل ذلك، وإنما في الجنة يرى المؤمنون ربهم لقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، حيث يتغيَّر تكوينهم الخلْقي، ومعنى {تجلَّى} ظهر نوره على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، و{دكًّـا} من الفعل (دكَّ) بمعنى هـدَّم وفتَّت، وخـرَّ صَعِقا: سقط مغشيا عليه، وتعبير {أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} لا يعني أن موسى أولهم على الإطلاق، فقد سبقه مؤمنون كُثُر منذ آدم، إنما هو أول المؤمنين في قومه، والجبل الذي دكَّـه الله هو جبل الطور على الأرجح، دكَّه الله ثم أعاده؛ فالله قادر على كل شيء.
ــ وسيناء أرض مباركة بشجرة الزيتون، قال الله: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ}، تنبت بالدهن: تكبر وتثمر مليئة بالزيت، و(صِبْغ) أي يُغمَس فيه الخبز فيصطبغ بلونه، والزيتون غذاء غني بالمعادن والأحماض الدهنية الضرورية للجسم، يُعصَر زيتا فيُستخدم في الطعام والإضاءة، وهذه الشجرة مباركة أي نافعة للناس؛ قال الله: {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} كوكب دري: مضيء بشدة، ولاشرقية ولا غربية أي لا تغيب عنها الشمس، وفي الحديث «كُلُوا الزَّيْتَ وادَّهِنوا به؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ».
ــ سيناء أرض مباركة بالفتح الإسلامي لمصر؛ فقد كانت مدخلا للجيش المبارك 20هـ، وقد أقام عمرو بن العاص في سيناء أول صلاة لعيد الأضحى بمصر، وهي مباركة بانطلاق الجيش المصري منها إلى الشام لتحقيق النصر على الصليبين في حطين 583هـ وعلى التتار في عين جالوت 658هـ، وفي سيناء حقق الجيش المصري أعظم نصر على إسرائيل 1973م

دكتور علاء الحمزاوي الأرض المبــــاركـة الجارديان المصريه