السبت 25 أبريل 2026 02:04 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جمال المتولى جمعة يكتب : تقديم الساعة .. قرار بين النظرية وواقع الناس

الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة
الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة

لم يعد الجدل حول تقديم الساعة مجرد نقاش تقنى عابر بل تحول الى قضية تمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين من مواعيدالعمل والنوم الى الإنتاجية والصحة العامة فبينما تصر بعض الحكومات على الابقاء على مايعرف بـ "التوقبت الصيفى" تتجه دول أخرى الى التخلى عنه بعدما ثبت أن الفوائد التى بنى عليها لم تعد بنفس القوة فى عالم اليوم .
فى الأصل قامت فكرة تقديم الساعة على مبدأ بسيط إستغلال ضوء النهار لأطول فترة ممكنة بما يقلل استهلاك الكهرباء فى ساعات المساء لكن هذا المنطق الذى بدا مقنعا فى بدايات القرن العشرين , لم يعد بالضرورة صالحا فى زمن تغيرت فيه أنماط الاستهلاك وتنوعت فيه مصادر الطاقة , وأصبحت الاجهزة الكهربائية جزءا لا يتجزأ من الحياة طوال اليوم لا فى المساء فقط
الدراسات الحديثة تشير بوضوح الى أن الوفر فى الطاقة إن وجد فهو محدود للغاية بل إن بعض التقديرات ترى ان تقديم الساعة قد يؤدى احيانا الى زيادة الاستهلاك نتيجة الاعتماد الأكبر على التكييف فى ساعات النهار الممتدة وهنا تسقط الحجة الاقتصادية ندريجيا أو على الأقل تفقد بريقها القديم
لكن الاشكالية الاعمق ليست فى الكهرباء بل فى الإنسان نفسه فالساعة البيولوجية للإنسان ليست أله يمكن ضبطها بقرار إدارى , تقديم ساعة كاملة يعنى اضطرابا فى النوم وانخفاضا فى التركيز وارتفاعا فى معدلات التوتر خاصة الأيام الاولى من التغيير وقد ربطت بعض الدراسات بين هذا التغيير المفاجىء وزيادة طفيفة فى الحوادث المرورية فضلا عن مشكلات صحية لا سيما لدى كبار السن واصحاب الامراض المزمنة
فى المقابل لا يمكن انكار أن هناك من يرى فى التوقيت الصيفى جانبا ايجابيا يتمثل فى إطالة ساعات النهار المسائية بما يمنح الناس فرصة أكبر للحركة والتفاعل الاجتماعى وينشط بعض القطاعات التجارية والترفيهية لكن هذا المكسب فى نظر كثيرين يظل محدودا إذا ما قورن بحالة الارتباك العامة التى تصاحب تغيير الساعة
لذلك لم يكن مستغربا أن تتجه دول عدة الى إعادة النظر فى هذه السياسة بل والغائها تماما مفضلة الاستقرار الزمنى على التغيير الموسمى , فثبات التوقيت فى نهاية المضاف يعنى استقرارا فى نمط الحياة وهو أمر لا يقل أهمية عن أى حسابات نظرية لتوفير الطاقة .
ان السؤال الحقيقى لم يعد هل نوفر بعض الكهرباء ؟ بل أصبح هل يستحق هذا الوفر – أن وجد – كل هذا الاضطراب فى حياة الناس ؟
ربما أن الاوان لإعادة تقييم القرار بعيدا عن الموروثات القديمة والنظر اليه بعين الواقع لا بعين النظرية فالمجتمعات الحديثة لاتحتاج فقط الى قرارات صحيحة بل الى قرارات مريحة أيضا .

#جمال المتولى جمعة
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا

جمال المتولى جمعة تقديم الساعة .. قرار بين النظرية وواقع الناس الجارديان المصريه الجارديان المصريه