الثلاثاء 28 أبريل 2026 09:04 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : على بُعد 100 متر فقط… حين يتحدث الجيش المصري بلغة لا تُخطئها الرسائل

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

لم تكن مجرد مناورة عسكرية عابرة، ولم يكن صوت الذخيرة الحية الذي دوّى في الأجواء مجرد تدريب روتيني يُضاف إلى سجل التدريبات الدورية للقوات المسلحة المصرية، بل كانت رسالة مكتوبة بالنار والدخان، وموقعة بإرادة دولة تعرف جيدًا متى تتكلم ومتى تصمت، ومتى تُظهر قوتها في صمتٍ أشد وقعًا من ألف خطاب.
على بُعد 100 متر فقط من السياج الحدودي مع فلسطين المحتلة، وقفت القوات المسلحة المصرية لتجري واحدة من أخطر وأدق المناورات العسكرية بالذخيرة الحية، في توقيت لا يمكن فصله عن حالة التوتر الإقليمي المتصاعدة، ولا عن ما يشهده الشرق الأوسط من اضطرابات متلاحقة وصراعات مفتوحة على كل الاحتمالات. كانت المفاجأة صادمة… ليس فقط للعدو الإسرائيلي، بل للعالم بأسره الذي راقب المشهد بدهشة، وبدأ في قراءة ما وراءه من رسائل.
لم يكن الاقتراب من هذا الحد الحساس مجرد استعراض قوة، بل إعلان واضح بأن الحدود المصرية ليست مجرد خطوط مرسومة على الخرائط، بل عقيدة راسخة، وسيادة لا تقبل التأويل أو الاختبار. فالجيش المصري حين يتحرك، يتحرك بحسابات دقيقة، وحين يختار موقعًا لمناوراته، فإنه يختار الرسالة قبل المكان، ويحدد التوقيت قبل التنفيذ.
غضب إسرائيل لم يكن مفاجئًا، بل كان متوقعًا. فالدولة التي اعتادت أن تتحرك في محيط مرتبك، وأن تراهن على ضعف الآخرين أو انشغالهم، وجدت نفسها فجأة أمام مشهد مختلف تمامًا: جيش قوي، منظم، واثق، يقف على حدودها ويُجري تدريبًا حيًا دون ارتباك أو تردد. هذا المشهد وحده كفيل بأن يعيد ترتيب الحسابات داخل غرف القرار، وأن يوقظ الهواجس التي طالما حاولت تجاهلها.
الرسالة المصرية لم تكن عدائية، لكنها كانت حاسمة. لم تكن دعوة للحرب، لكنها لم تكن أيضًا استعراضًا بلا معنى. إنها ببساطة تأكيد على أن مصر حاضرة، قوية، تراقب، وتعرف جيدًا كيف تحمي أمنها القومي وحدودها الاستراتيجية. وهي في الوقت ذاته رسالة ردع ذكية، تُرسل دون ضجيج، لكنها تصل بوضوح لا لبس فيه.
في هذا المشهد، يمكن قراءة عدة أبعاد عميقة؛ أولها أن الجيش المصري لم يعد فقط جيشًا تقليديًا يعتمد على الدفاع، بل أصبح يمتلك قدرة عالية على التحرك السريع، والتعامل مع سيناريوهات معقدة في بيئات حساسة. وثانيها أن مصر تتابع عن كثب ما يحدث في الأراضي الفلسطينية، وتدرك أن أي تصعيد غير محسوب قد يمتد أثره إلى حدودها، وهو ما لن تسمح به بأي حال.
أما البعد الثالث، وهو الأهم، فهو أن الدولة المصرية قررت أن تكون رسائلها هذه المرة عملية لا لفظية، وأن تعتمد على الفعل لا التصريح، في زمن أصبحت فيه القوة الحقيقية تُقاس بما يُنفذ على الأرض، لا بما يُقال في المؤتمرات.
هذه المناورة أيضًا تعكس مستوى متقدمًا من الجاهزية القتالية، والانضباط العسكري، والتطور في منظومة التسليح والتدريب، وهو ما يعكس حجم الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة في تحديث القوات المسلحة خلال السنوات الأخيرة. لم يعد الأمر مجرد تطوير شكلي، بل تحول إلى بناء قوة حقيقية قادرة على الردع والحماية في آن واحد.
ولعل أكثر ما أربك المشهد هو عنصر المفاجأة. فالعالم لم يكن يتوقع هذا التحرك بهذا القرب، ولا بهذا الوضوح، ولا بهذا التوقيت. وهنا تكمن عبقرية الأداء العسكري المصري، الذي يجيد استخدام عنصر المفاجأة كأداة استراتيجية، وليس مجرد تكتيك ميداني.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات، من غزة إلى لبنان، ومن البحر الأحمر إلى عمق الصحراء، تأتي هذه المناورة لتؤكد أن مصر ليست طرفًا هامشيًا في معادلة الأمن الإقليمي، بل هي لاعب رئيسي يمتلك أدواته، ويدير أوراقه بحكمة، دون اندفاع، ودون تهاون.
إنها لحظة فارقة، ليس فقط في سجل المناورات العسكرية، بل في شكل الرسائل السياسية التي تُكتب بلغة القوة. فحين يقف الجيش المصري على بُعد 100 متر فقط، ويطلق نيرانه بثقة وثبات، فإنما يقول للعالم: هنا حدود لا تُختبر، وهنا دولة تعرف قدرها، وتحمي أرضها، وتكتب تاريخها بيدها.

وفي ختام هذا المشهد الذي لا يُنسى، تتجلى حقيقة راسخة لا تقبل الشك أو التأويل، وهي أن الجيش المصري لم يكن يومًا جيش ردّ فعل، بل كان وسيظل جيش استعداد دائم، يقظ لا ينام، حاضر لا يغيب، يضع أمن الوطن فوق كل اعتبار، ويستعد لكل سيناريو مهما بدا بعيدًا أو مستحيلًا. فالعقيدة العسكرية المصرية لم تُبنَ على الارتجال، بل على التخطيط العميق، والجاهزية المستمرة، والإيمان بأن الخطر لا يُعلن عن موعد قدومه.
إن ما حدث على بُعد 100 متر ليس مجرد رسالة لحظة، بل تأكيد على أن خلف هذه اللحظة منظومة كاملة من اليقظة والتأهب، جيش يتدرب في السلم كأنه في حرب، ويستعد في الخفاء ليصنع في العلن مفاجآت تُربك الخصوم وتُطمئن الشعوب. وهذا هو سر القوة الحقيقية… قوة لا تُستعرض للزينة، بل تُبنى لتُحترم.
وفي عالم اليوم، حيث لا مكان للضعفاء، ولا صوت يُسمع لمن لا يملك أدوات فرضه، تبقى الحقيقة واضحة كالشمس: القوي يُحترم… القوي يُحسب له ألف حساب… القوي هو من يفرض معادلاته، لا من ينتظر أن تُفرض عليه. ومصر، بجيشها، تعرف جيدًا هذه القاعدة، وتُتقن العمل بها دون صخب، ودون استعراض أجوف.
فالسلام في هذا العالم لم يعد يُصان بالنوايا وحدها، بل تُحرسه القوة، ويثبّته التوازن، ويؤمّنه جيش يعرف متى يضغط الزناد، ومتى يكتفي بأن يكون وجوده وحده رسالة ردع كافية. وهنا تكمن عظمة الجيش المصري… أنه لا يسعى للحرب، لكنه لا يهابها، لا يعتدي، لكنه لا يسمح بالاعتداء، لا يلوّح بالقوة، لكنه إن استخدمها كانت حاسمة لا تُرد.
وهكذا تبقى مصر، بجيشها، دولة تعرف قدر نفسها، وتفرض احترامها في زمن لا يعترف إلا بالأقوياء… جيشها درعها، وسيفها، وصمام أمانها، وعنوان هيبتها التي لا تُمس، ولا تُختبر، ولا تُكسر.

حسين السمنودى على بُعد 100 متر فقط… حين يتحدث الجيش المصري بلغة لا تُخطئها الرسائل الجارديان المصريه