الإثنين 25 مايو 2026 06:27 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاته زكريا يكتب : كيف أعادت المنصات الرقمية تشكيل الشخصية الإنسانية؟

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

لم تعد المنصات الرقمية مجرد أدوات تكنولوجية للتواصل أو الترفيه بل تحولت خلال سنوات قليلة إلى قوة هائلة أعادت تشكيل الإنسان نفسه؛ طريقة تفكيره، ومشاعره، وعلاقاته، وحتى نظرته إلى العالم وإلى ذاته.. لقد دخلنا عصرا جديدا لم تعد فيه التكنولوجيا مجرد وسيلة نستخدمها.بل أصبحت بيئة كاملة نعيش داخلها تؤثر في وعينا بصورة أعمق مما نتخيل.. في الماضي كانت شخصية الإنسان تتكون تدريجيا عبر الأسرة، والمدرسة، والشارع، والكتاب، والتجارب الحياتية المباشرة. أما اليوم فقد أصبحت الشاشة شريكا رئيسيا في تشكيل الشخصية الإنسانية. ملايين البشر يستيقظون وينامون على تدفق مستمر من الصور والأخبار والمقاطع القصيرة والآراء والانفعالات حتى أصبح العقل يعيش حالة تشبع دائم بالمؤثرات النفسية والفكرية.. المشكلة ليست فقط في حجم هذا التدفق بل في سرعته وطبيعته. فالمنصات الرقمية لا تمنح الإنسان دائمًا فرصة للتأمل أو التفكير العميق بل تدفعه نحو الاستهلاك السريع للمحتوى وردود الفعل الفورية. ومع الوقت تغيرت طريقة تعامل الإنسان مع الأشياء؛ أصبح أكثر استعجالا، وأقل صبرا، وأكثر ميلا للأحكام السريعة والانفعالات اللحظية.. لقد أعادت المنصات الرقمية تشكيل مفهوم الانتباه نفسه.. فالإنسان الذي كان قادرا على قراءة كتاب لساعات أو متابعة فكرة طويلة بهدوء أصبح يعيش تحت ضغط دائم من التنبيهات والمقاطع القصيرة والتحديثات المتلاحقة. وشيئا فشيئا تراجعت قدرة كثيرين على التركيز العميق، وأصبح العقل معتادا على التنقل السريع بين المعلومات دون التوقف طويلًا أمام أي فكرة.

وهنا ظهرت واحدة من أخطر سمات العصر الحديث: السطحية السريعة.. فوفرة المعلومات لم تعن بالضرورة زيادة الفهم بل أحيانا خلقت وهم المعرفة .. أصبح البعض يمتلك رأيا حادا في قضايا معقدة لمجرد مشاهدة مقطع قصير أو قراءة منشور عابر. وتحولت الثقافة لدى كثيرين من رحلة بحث وتأمل إلى مجرد استهلاك سريع للمعلومات والانطباعات...لكن التأثير الأعمق للمنصات الرقمية لم يكن معرفيًا فقط بل نفسيًا واجتماعيا أيضا.. فالإنسان بطبيعته كائن اجتماعي يتأثر بنظرة الآخرين إليه غير أن مواقع التواصل ضاعفت هذا التأثير بصورة غير مسبوقة. أصبح كثير من الناس يعيشون داخل حالة دائمة من التقييم الاجتماعي عدد الإعجابات، والتعليقات، والمشاهدات، والمتابعين كلها تحولت إلى مؤشرات نفسية تؤثر على شعور الإنسان بقيمته ونجاحه.. وهكذا بدأت الشخصية الإنسانية تميل تدريجيا إلى البحث عن القبول السريع والانتباه المستمر.. لم يعد البعض يعبر عما يشعر به فعلا بل عما يحقق التفاعل الأكبر. وأصبحت الصورة أحيانا أهم من الحقيقة والانطباع أهم من الجوهر...في عالم تحكمه الخوارزميات صار الإنسان أكثر ميلا إلى تقديم نسخة محسوبة من نفسه نسخة قابلة للإعجاب والتداول.حتى لو كانت بعيدة عن شخصيته الحقيقية.. ومن هنا ظهرت أزمة جديدة يعيشها الإنسان المعاصر: أزمة الهوية الرقمية.. فكثيرون باتوا يعيشون بين شخصيتين شخصية حقيقية مليئة بالتفاصيل الإنسانية الطبيعية وشخصية أخرى يتم بناؤها بعناية على المنصات الرقمية. ومع الوقت قد تختلط الحدود بين الاثنين فيصبح الإنسان مرهقا بمحاولة الحفاظ على صورة مثالية لا تشبه واقعه الكامل...الأخطر من ذلك أن المنصات الرقمية أعادت تشكيل علاقتنا بالمشاعر نفسها.. ففي زحام المحتوى السريع أصبحت المشاعر أكثر استهلاكا وأقل عمقا.
نتابع مآسي وحروبا وأخبارا صادمة يوميا ثم ننتقل بعدها مباشرة إلى محتوى ترفيهي أو إعلان أو مشهد ساخر. هذا التدفق المتناقض خلق نوعًا من التبلد العاطفي لدى البعض حيث أصبح الإنسان يرى الألم الإنساني كجزء عابر من المشهد اليومي المتكرر.. كما ساهمت المنصات الرقمية في رفع مستويات القلق والتوتر النفسي بصورة واضحة.
فالإنسان اليوم يعيش في حالة مقارنة مستمرة مع الآخرين يقارن نجاحه، وشكله، ومستواه المادي، وحياته الشخصية بما يراه على الشاشات. ومع الوقت يتحول هذا إلى شعور داخلي بالنقص أو التأخر أو عدم الرضا.حتى وإن كان الإنسان يملك حياة مستقرة في الواقع ولأن الخوارزميات تعتمد على جذب الانتباه فقد أصبحت المحتويات الأكثر إثارة وغضبا وخوفا هي الأسرع انتشارا. وهنا بدأت الشخصية الإنسانية تميل أكثر إلى العصبية والانفعال والاستقطاب...أصبح الحوار أصعب، والصبر أقل، والاختلاف يتحول بسرعة إلى صدام أو إلغاء متبادل. وكأن الضجيج الرقمي المستمر انعكس على الهدوء الداخلي للإنسان نفسه.
لكن رغم كل هذه التحولات سيكون من الخطأ النظر إلى المنصات الرقمية باعتبارها شرا مطلقا.. فهذه الوسائل نفسها منحت فرصا هائلة للتعلم والتواصل ونقل الخبرات وفتحت أبوابا لم يكن الوصول إليها ممكنا من قبل. كما ساعدت كثيرين على التعبير عن مواهبهم وأفكارهم وبناء مساحات جديدة للتأثير الإيجابي...المشكلة إذن ليست في التكنولوجيا ذاتها بل في طريقة تعامل الإنسان معها...فكل أداة تحمل في داخلها إمكانات البناء والهدم معا ويتوقف الأمر على مستوى الوعي الذي يحكم استخدامها.. التحدي الحقيقي الذي يواجه الإنسان اليوم ليس أن يرفض التكنولوجيا أو يهرب منها فهذا لم يعد ممكنا بل أن يتعلم كيف يستخدمها دون أن يفقد نفسه داخلها.. أن يحافظ على قدرته على التفكير الهادئ وسط الضجيج وعلى إنسانيته وسط عالم سريع الاستهلاك وعلى هويته الحقيقية وسط سيل الصور والانطباعات المصطنعة...ربما لهذا أصبحت الحاجة ملحة لإعادة الاعتبار لأشياء بسيطة لكنها عميقة الأثر: القراءة الهادئة والحوار الحقيقي والعلاقات الإنسانية المباشرة.والوقت الذي يقضيه الإنسان مع نفسه بعيدا عن الشاشات.. فالإنسان لا يبنى فقط بالمعلومات بل بالتأمل والتجربة والوعي والقدرة على فهم ذاته والعالم من حوله.. وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن التكنولوجيا مهما تطورت ستظل مجرد أداة أما جوهر المعركة فسيبقى دائما داخل الإنسان نفسه.. فإما أن يمتلك وعيه ويستخدم هذه المنصات لصناعة المعرفة والتواصل والبناء وإما أن يتحول تدريجيا إلى مجرد رقم داخل عالم رقمي ضخم يعيد تشكيله دون أن يشعر.

شحاته زكريا كيف أعادت المنصات الرقمية تشكيل الشخصية الإنسانية؟ الجارديان المصريه