الإثنين 6 يوليو 2026 12:23 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د.محمد هناء الدين يكتب: تساؤلات جيل ثورة يناير

الكاتب والفنان د. محمد هناء الدين
الكاتب والفنان د. محمد هناء الدين

أتذكر يناير ليس فقط ببرد طقسها ولكن برعشة الأمل التي سرت في أوصالنا. كنا في الميادين نحلم، نبني في مخيلتنا مصر أخرى. كان المشهد يضم الجميعوالشاب المثقف العامل البسيط ربة المنزل وأيضا الكبار. هؤلاء الذين تصدروا المشهدوالتفوا بعباءة الثورة، وأوهمونا أنهم يمتلكون خريطة طريق نحو المستقبل. لكن، وبعد مرور كل هذه السنوات، يبرز سؤال مؤلم هل كانوا يمتلكون حقا خطة أم أنهم ببساطة ورطونا وسلمونا للضباع؟

الوجع الحقيقي ليس في سقوط النظام السابق فنحن من هتفنا ارحل الوجع أن هؤلاء الكبار من قوى سياسية ونخب وشخصيات عامة دفعونا إلى حافة الهاوية وهم يرددون خلفنا نفس الهتاف ثم تبين أنهم معندهمش خطة ولا بديل لقد كان خطابهم قويا ومنمقا يملؤه التنظير وعبارات التوافق الوطني والمرحلة الانتقاليةلكن حين حانت لحظة الحقيقة، وقفوا عراة، بلا برنامج بلا رؤية بلا توافق حقيقي فيما بينهم إلا على هدف واحد إزاحة مبارك فقط. وكأن سقوط الرجل هو غاية المنى ونهاية المطاف.

هنايطل علينا الشك الأكثر إيلاماأظن أنهم كانوا يقصدون إسقاط مصر كلهالا أنا لا أتهم أحدا بالعمالة فأنا أدرك أن هذا دور أجهزة الأمن وأن التهم الجاهزة لعبة قذرة لتشويه الخصوم. لكني أتحدث عن النتيجة عن الكارثة التي حلت. سواء كان عن قصد أو عن جهل فادح، فإن أفعالهم قادت إلى نفس النتيجة المرعبة حرب الارهاب والفوضي مع الجيش الوطني الواقف على الثغور إشعال فتنة طائفية بين أبناء البلد الواحد تدمير الاقتصاد الذي يأكل منه الفقير قبل الغني وتمزيق النسيج الاجتماعي الذي صمد لقرون. لقد تحولت الثورة في أيديهم إلى مشروع خراب شامل وكأن الهدف لم يكن إصلاح نظام بل تفجير دولة.
نعم أضاعونا أضاعونا بين سندان دولة عميقة لم ترغب في التغيير ومطرقة نخبة ثورية لم تحسن إدارة الحلم. ضاع حلمنا في العدالة الاجتماعية وسط صراعاتهم على كراسي السلطة والبرلمان. ضاع أملنا في الكرامة الإنسانية على حواجز الفوضى وخطبهم النارية التي لا تنتج خبزا. لقد خذلنا الفريقان نظام أراد حماية نفسه فدمر الحلم وكبار ارادوا ركوب الموجة فغرقوا بنا جميعا. دفعونا إلى الأمام ثم تركونا في العراء نتصارع على الفتات تاركين ظهورنا مكشوفة لرياح عاتية لم نكن ندري من أين تهب.
نحن جيل تحولت أحلامه إلى كوابيس، ليس بسبب مبارك فقط بل لأن الذين زعمونا أنهم البديل قدموا لنا الهلاك بديلا عن الحريةوالضياع بديلا عن الكرامة. ندفع الثمن كل يوم في غلاء الأسعارفي ضيق العيش في الخوف على الغد. والأسوأ من كل هذا هو ذاك الإحساس القاتل بأن تضحياتناودموعنا علي شهدائنا ضاعت هباء منثورا تحولت دولارات في حسابهم وليالي خوفناذهبت كلها أدراج الرياح لأن ربان السفينة كان عاجزا او مخترقا ربان سفينة الثورة كان يشعلها فقط ولا يقودها والموج كان أعلى من قدرة الجميع على التحمل.

نحن هنا نلملم جراحنا نحاول أن نفهم كيف تحول أعظم حلم في تاريخ مصر الحديث إلى كابوس طويل؟
التساؤل يظل مفتوحًا ليس للاتهام ولكن للفهم. ربما يكون هذا الفهم هو الخطوة الأولى الحقيقية لنعرف من نحن وماذا نريد حقًا، وكيف نحمي هذا البلد في المرة القادمة من الكبارالذين يضيعونه.

تساؤلات جيل ثورة يناير د. محمد هناء الدين د. محمد هناء الدين الجارديان المصريه