الأربعاء 22 أبريل 2026 12:58 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د.محمد هناء الدين يكتب : علاقاتٌ ولدت من رحم اللحظة

د. د.محمد هناء الدين
د. د.محمد هناء الدين

هناك ثمة علاقات لا تُصنع على مهل، ولا تُبنى حجراً فوق حجر عبر أيام طويلة ومسافات آمنة. إنها علاقات تنفجر كالبرق في ليلة عاصفة، تتشكل تحت ضغط لحظة استثنائية تجعل الغرباء أقرب إلينا من أصدقاء العمر.
في القطار المسافر بين مدينتين، يجلس شخصان متجاورين بالمصادفة. لا شيء يجمعهما سوى المقعد المتاخم والنافذة المطلة على حقول تركض للخلف. ثم يحدث شيء ما: تأخير مفاجئ، عاصفة تقطع الطريق، خبرٌ عاجل يملأ الهواتف. وفجأة، ينفتح باب الحديث. ليست مجاملة عابرة، بل كلامٌ يخرج من طبقات أعمق، كأن الروح وجدت أخيراً متنفساً مع شخص لن تراه مجدداً على الأرجح. وهنا المفارقة: حين نكون آمنين من استمرار العلاقة، نمنح أنفسنا حرية أن نكون حقيقيين.
في طائرة تحلق فوق المحيطات، حيث الموت احتمالٌ معلق في الفراغ الرقيق بين السماء والأرض، يتشكل نوع غريب من الألفة. الجالسون في مقاعد متجاورة يتشاركون مصيراً واحداً معلقاً بين جناحين من معدن. هناك شيء في الارتفاع الشاهق يجردنا من أدوارنا، نعود بشراً فقط: نخاف، نحن، نأمل، ننتظر الوصول إلى أرض صلبة. في تلك الساعات المعلقة، قد يروي لك الغريب ما لم يقله لأقرب الناس إليه. وحين تهبط الطائرة، ينتهي كل شيء. تتبادلان ابتسامة أخيرة، وربما لا تتبادلان حتى الأسماء. لكن شيئاً ما بقي، أثراً خفيفاً كبصمة إصبع على زجاج ضبابي.
حين تصنع الثورة قلباً آخر
ثمة ما هو أعمق وأعنف العلاقات التي تولد في رحم الأحداث الكبرى. ثورات، حروب، لحظات تحول تاريخي تهز الأرض تحت أقدام الجميع. في ميدان التحرير خلال ثورة يناير، لم يكن الناس يتعرفون على بعضهم بطريقة عادية. كانوا يتعرفون على بعضهم من خلال أعين تلمع بنفس الحلم، من خلال هتاف يخرج من حناجر متعبة معاً، من خلال رائحة الخوف ذاتها التي تتصاعد من أجساد نامت في العراء تحت سماء واحدة تخشى الرصاص.
هناك، في قلب الحدث التاريخي، تذوب الفوارق التي نصنعها في الأيام العادية: الطبقة، الدين، العمر، حتى اللغة أحياناً. يصبح الشخص الذي يقف إلى جوارك في مواجهة مدرعة ليس مجرد غريب، بل امتداد لوجودك، شريك في نجاة أو جرح محتمل. تنظر إليه فترى نفسك. تمده بيدك ليسحبك من الخطر، أو تمسك بيده لتمنعه من السقوط. لا تحتاج أن تسأله عن اسمه لتعرفه. أنت تعرفه بطريقة أقدم من الأسماء.
هذه العلاقات تحمل كثافة عاطفية لا تشبه شيئاً. لأنها تولد من إحساس مشترك بأن العالم كما نعرفه قد ينتهي الليلة، أو قد يبدأ من جديد غداً. وفي كلا الحالتين، نحن معاً في هذا المصير. هذا الإحساس يخلق وشائج لا تصدق سرعتها وقوتها. قد تستمر أياماً فقط، لكنها تترك في النفس ما لا تتركه علاقات سنوات.
سيكولوجيا اللحظة الاستثنائية
في علم النفس، هناك ما يُعرف بـ"تأثير الجسر المعلق"حين نمر بموقف يثير فينا مشاعر قوية (خوف، قلق، حماسة ثورية، انتماء لقضية)، فإن عقولنا قد تنسب جزءاً من هذه الإثارة العاطفية إلى الشخص الموجود معنا في نفس اللحظة. نشعر تجاهه بقرب غير مبرر منطقياً، لأن الجسد في حالة تأهب عاطفي شديد، والقلب يبحث عن قلب آخر يشاركه هذا الاضطراب.
لكن الأمر في اللحظات التاريخية والسياسية يتجاوز هذه الآلية البيولوجية. هناك طبقة وجودية أعمق. حين ينهار السياق الطبيعي للحياة، حين يصبح كل شيء ممكناً ومستحيلاً في آن، نعود إلى الاحتياج الإنساني الأول: أن نكون مرئيين، أن نكون معاً، أن لا نواجه الغموض وحدنا. العلاقة التي تنشأ هنا هي نوع من شهادة الوجود. أنا هنا، أنت هنا، نحن نعيش هذا معاً. هذا يعني أن ما يحدث حقيقي، وهذا يعني أننا حقيقيون.
طبيعة مؤقتة وجوهر أبدي
معظم هذه العلاقات لا تدوم. القطار يصل، الطائرة تهبط، الثورة تنتهي أو تتحول إلى شيء آخر. نعود إلى حياتنا، إلى هواتفنا المليئة بأرقام أناس "حقيقيين" في حياتنا العادية. والغريب الذي صار في لحظة ما أقرب إلينا من أخ، يصبح ذكرى، أو صورة في ألبوم أحداث، أو اسماً نبحث عنه أحياناً في محركات البحث لنعرف "ماذا حدث له".
لكن السؤال: هل يعني عدم الاستمرار أن العلاقة لم تكن حقيقية؟
ربما العكس هو الصحيح. ربما كانت حقيقية جداً، حقيقية لدرجة أنها لا تحتمل الانتقال إلى السياق العادي المبتذل للحياة اليومية. هناك جمال حزين في علاقات تنتمي فقط إلى لحظتها. كزهرة صحراوية تتفتح لساعات بعد مطر نادر ثم تذبل. لكنها كانت موجودة. كان لها لونها ورائحتها ولحظة إدهاشها.
في النهاية، تترك هذه العلاقات فينا شيئاً ثميناً: معرفة أننا قادرون على التواصل الإنساني العميق في أي لحظة، وأن الجدران التي نبنيها بيننا وبين الآخرين ليست سوى هياكل هشة تذوب فور أن يهتز السياق. تترك فينا أملاً خفياً: أن تحت كل هذا التباعد والغربة اليومية، ما زال هناك إنسان ينتظر فقط لحظة مناسبة ليمد يده.
قد لا نلتقي بهم مجدداً أبداً. لكننا لا ننسى وجوههم، ولا ننسى ذلك الشعور الغريب: أننا كنا في يوم ما، ولو لساعات قليلة، جزءاً من "نحن" حقيقية تشكلت بفعل ظرف استثنائي. وهذا وحده يجعل العالم أقل وحدة، وأكثر احتمالاً.

د. محمد هناء الدين علاقاتٌ ولدت من رحم اللحظة الجارديان المصريه