حسين السمنودى يكتب : سيناء التي لا تنكسر.. حكاية الرجال الذين كتبوا للوطن مجدًا من الرمال والنار
في تاريخ الأوطان رجالٌ يمرّون كالعابرين، ورجالٌ آخرون يتحولون إلى ذاكرة وطن، تبقى أسماؤهم حيّة مهما تبدلت الأزمنة وتعاقبت الأجيال. وفي أرض سيناء، تلك البقعة الطاهرة التي كانت دومًا بوابة مصر الشرقية وسورها الحامي، خرج رجالٌ صنعوا من الصحراء قلعة صمود، ومن البساطة بطولة، ومن حب الوطن عقيدة لا تتغير.
ومن بين هؤلاء الكبار، يبرز اسم العمدة عبد العزيز أبو مرزوقة، أحد رجال القبائل الذين لم يكونوا مجرد شيوخٍ للعشائر أو أصحاب كلمة مسموعة بين الناس، بل كانوا رجال دولة ووطن في زمنٍ كانت فيه مصر تواجه أخطر التحديات.
وُلد العمدة عبد العزيز أبو مرزوقة عام 1905 بمدينة بئر العبد في شمال سيناء، ونشأ في بيئةٍ بدوية عُرفت بالشهامة والكرم والوفاء بالعهد. ومع مرور السنوات، أصبح من كبار وجهاء العرب، تُسمع كلمته في المجالس، ويُرجع إليه في الخصومات والإصلاح بين الناس، حتى صار رمزًا للحكمة والهيبة بين أبناء القبائل.
لكن عظمة الرجال لا تُقاس فقط بمكانتهم الاجتماعية، بل بما يقدمونه حين تتعرض الأوطان للخطر، وهنا ظهر المعدن الحقيقي لأبناء سيناء.
فعندما وقع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، لم يقف أبناء سيناء موقف المتفرج، ولم ينتظروا أحدًا ليطلب منهم الدفاع عن الأرض، بل انخرطوا في المقاومة الشعبية بكل شجاعة، وكان العمدة عبد العزيز أبو مرزوقة من الرجال الذين وقفوا إلى جانب الجيش المصري، يمدّون المقاتلين بالمعلومات والدعم والمساندة، مؤمنين بأن الدفاع عن مصر شرفٌ لا يقبل التردد.
ثم جاءت نكسة يونيو 1967، ذلك الجرح الكبير الذي أصاب الأمة العربية كلها، لتكشف مرة أخرى معدن أهل سيناء الحقيقي. ففي الوقت الذي كانت فيه الفوضى تعمّ طرق الانسحاب، كانت القبائل السيناوية تفتح صدورها وبيوتها للجنود المصريين، وتتحول الصحراء إلى خطوط نجاة يقودها رجال يعرفون الأرض كما يعرفون أسماء أبنائهم.
وهنا لمع دور العمدة عبد العزيز أبو مرزوقة بصورة أكبر، بعدما اختارته المقاومة الشعبية قائدًا لها في سيناء، لما عُرف عنه من شجاعة وحكمة وقدرة على القيادة. فقاد مجموعات من أبناء البدو لإنقاذ الجنود المصريين الذين تاهوا وسط أهوال الحرب، وأقام مركزًا لتجميع القوات بمنطقة المحمم جنوب بئر العبد، ليصبح هذا المكان نقطة حياة لآلاف الجنود والضباط.
كانت المهمة شديدة الخطورة؛ طائرات الاحتلال تراقب، ودورياته تنتشر، وأي مساعدة للجيش المصري كانت تعني الموت أو الاعتقال، لكن رجال سيناء لم يخافوا. كانوا يحملون الماء والطعام والدواء، وينقلون الجنود عبر الطرق الصحراوية الوعرة، حتى تمكّنوا من إنقاذ وتجميع آلاف الجنود والضباط، ثم نقلهم إلى بورسعيد بالتنسيق مع المخابرات الحربية المصرية.
لقد كانت تلك العمليات واحدة من الصفحات المضيئة التي أثبتت أن سيناء لم تكن يومًا عبئًا على الوطن، بل كانت دائمًا خط الدفاع الأول عنه.
وحين أدرك الاحتلال الإسرائيلي حجم الدور الذي يقوم به العمدة عبد العزيز أبو مرزوقة وخطورة تأثيره على المقاومة، وضع خطة للقبض عليه، لكن الرجل استطاع بدهائه وخبرته بطبيعة الأرض أن يفلت من الحصار، فانتقم الاحتلال بإحراق منازل منطقة المحمم، ظنًا منه أن النار يمكن أن تُخيف رجالًا تربوا على الصمود.
غير أن الاحتلال لم يفهم طبيعة أهل سيناء؛ فهؤلاء لا تكسرهم النكبات، ولا تُرهبهم النيران، بل تزيدهم تمسكًا بأرضهم وكرامتهم.
لقد قدّم أبناء سيناء عبر التاريخ نموذجًا فريدًا في الوطنية، ورغم ما عانوه من الحروب والاحتلال والتهميش أحيانًا، ظلوا أوفياء لمصر، يحملون رايتها في الشدائد قبل الأفراح. كانوا العيون الساهرة على الحدود، والأيدي التي امتدت لإنقاذ الجنود، والصدور التي احتمت بها الدولة في أحلك الظروف.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يُمنح العمدة عبد العزيز أبو مرزوقة نوط الامتياز من الطبقة الأولى تقديرًا لعطائه الوطني، كما لم يكن غريبًا أن تشيّعه القوات المسلحة في جنازة عسكرية تليق برجلٍ عاش شريفًا ومات عظيمًا.
إن الحديث عن بطولات أهل سيناء ليس مجرد سردٍ لتاريخ قديم، بل تذكيرٌ للأجيال بأن الأوطان تُحمى برجالٍ يؤمنون بها، وأن القبائل العربية في سيناء لم تكن يومًا بعيدة عن معارك مصر، بل كانت دائمًا في قلبها.
وفي زمنٍ تتعرض فيه الحقائق أحيانًا للتشويه أو النسيان، يبقى من الواجب أن نروي للأبناء حكايات هؤلاء الرجال، حتى يعرفوا أن خلف كل شبرٍ من أرض الوطن دماءً وتضحيات وصبرًا طويلًا.
ولأن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى برجالٍ ونساءٍ يحملونها في قلوبهم قبل أيديهم، فقد كانت سيناء عبر التاريخ مدرسةً خالدة في الوطنية والتضحية. فمنذ عصورٍ بعيدة، وأهلها يقفون حراسًا على بوابة مصر الشرقية، يعرفون قيمة الأرض، ويؤمنون أن حماية الوطن ليست مهمة جيشٍ فقط، بل رسالة شعبٍ كامل.
لقد أثبت رجال سيناء في كل الحروب أنهم أبناء المعارك الصعبة، يحملون الشجاعة في قلوبهم كما يحملون ملامح الصحراء على وجوههم. كانوا دائمًا أول من يهبّ لنصرة الوطن، يخفون الجنود، ويحمون الأرض، ويقاسمون المقاتلين الماء والزاد والخطر. ولم تكن المرأة السيناوية يومًا بعيدة عن هذا المجد، بل كانت شريكةً فيه؛ صابرةً قوية، تخفي الأسرار، وتساند الرجال، وتربي أبناءها على حب مصر والكرامة والعزة. أما شباب سيناء، فقد ورثوا من آبائهم روح الانتماء نفسها، فظلوا على العهد، يحملون في صدورهم حب الوطن رغم كل الصعاب.
ومن هنا، لم يكن العمدة عبد العزيز أبو مرزوقة مجرد رجلٍ عاش في زمن البطولة، بل كان صورةً صادقة لروح سيناء كلها؛ تلك الروح التي لا تنحني، ولا تبيع وطنها، ولا تتخلى عن مصر مهما اشتدت المحن. عاش وطنيًا حتى آخر لحظة، وترك خلفه تاريخًا يروي للأجيال كيف يكون الرجال حين يُنادى الوطن.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من صراعاتٍ واضطرابات وأطماعٍ لا تخفى على أحد، تبقى وحدة الصف الوطني هي السلاح الأقوى الذي يحفظ مصر ويحمي أرضها وحدودها. فسيناء التي دفع أهلها دماءهم دفاعًا عنها، لا تحتاج فقط إلى السلاح، بل تحتاج أيضًا إلى وعي أبنائها ويقظة شبابها وإيمانهم بأن الأوطان حين تضعف من الداخل تصبح مطمعًا لكل عدو ومتربص.
ومن هنا، فإن المسؤولية الكبرى اليوم تقع على عاتق الشباب المصري، ليكونوا امتدادًا لجيل البطولة الذي حمى الأرض وصان الكرامة. فالحفاظ على الوطن لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالالتفاف حول الدولة ومؤسساتها الوطنية، ودعم كل جهدٍ يحفظ استقرار البلاد ووحدة أراضيها، والوقوف صفًا واحدًا خلف القيادة السياسية في مواجهة التحديات التي تحيط بمصر من كل اتجاه.
لقد أثبت التاريخ أن مصر حين تتوحد كلمتها تصبح عصية على الانكسار، وأن سيناء كانت وستظل خطًا أحمر لا يمكن التفريط فيه أو السماح لأي قوة أن تعبث بأمنه أو استقراره. ولذلك فإن الوعي الوطني أصبح اليوم معركة لا تقل أهمية عن معارك السلاح، لأن الشائعات ومحاولات بث الفتن وتمزيق الشعوب هي أبوابٌ يتسلل منها أعداء الأوطان.
وفي ختام هذا الحديث عن سيناء ورجالها الأوفياء، تبقى الرسالة الأهم أن هذه الأرض الطاهرة لا تستحق فقط أن نحميها بالسلاح، بل أن نعمّرها بالحياة والأمل والعمل. فسيناء لم تكن يومًا مجرد حدودٍ جغرافية، بل كانت دائمًا جزءًا أصيلًا من روح مصر وتاريخها ومستقبلها.
ومن هنا، فإن تعمير سيناء الحقيقي لا يكتمل إلا بعودة المواطنين إليها من كل حدبٍ وصوب، وفتح أبواب الأمل أمام الشباب والأسر والمستثمرين وأصحاب الحرف والزراعة والصناعة، حتى تمتلئ أرضها بالبشر قبل الحجر، وبالأشجار قبل الأسوار، فتتحول إلى مجتمعٍ نابض بالحياة والإنتاج والاستقرار.
ولذلك، فإن أبناء مصر يتطلعون إلى مزيدٍ من التيسيرات في إجراءات العبور عبر المعابر والمعديات والكباري المؤدية إلى سيناء، بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن القومي واحتياجات المواطنين الراغبين في الإقامة والعمل والمشاركة في بناء هذه الأرض الغالية. فكل بيتٍ يُبنى في سيناء هو حصنٌ جديد للوطن، وكل شجرة تُزرع فيها هي رسالة بقاء وانتماء، وكل مواطن يعيش فوق أرضها هو جنديٌ إضافي في معركة التعمير والتنمية.
لقد قطعت الدولة المصرية شوطًا كبيرًا في تنفيذ مشروعات التنمية العملاقة داخل سيناء، من طرقٍ ومدنٍ جديدة وأنفاقٍ ومشروعات زراعية وصناعية، وهي خطواتٌ عظيمة تؤكد أن الدولة تسير بخطى ثابتة نحو مستقبلٍ مختلف لهذه البقعة المباركة. لكن نجاح هذه الرؤية يحتاج إلى تكاتف الجميع، وإلى أن تصبح سيناء جاذبةً للحياة والعمل والاستقرار، حتى تعود كما أرادها المصريون دائمًا أرض الخير والأمان والبطولة.
وفي هذه المناسبة، لا يسعنا إلا أن نتوجه بكل التحية والتقدير والعرفان إلى رجال سيناء الأوفياء، قديمًا وحديثًا، الذين حملوا أرواحهم على أكفهم دفاعًا عن الوطن، وصنعوا من الرمال حصونًا للكرامة والعزة. تحيةً لكل شيخ قبيلةٍ حافظ على العهد، ولكل شابٍ ساند وطنه، ولكل امرأةٍ سيناوية صبرت وربّت وأنجبت رجالًا يعرفون معنى التضحية والانتماء.
فحماية سيناء لا تكون فقط بالسلاح، بل أيضًا بالعمران، وبالإنسان المصري الذي يزرع أرضها، ويبني فوق ترابها، ويرفع فوقها علم الوطن بكل فخر واعتزاز، حتى تبقى سيناء دائمًا أرض البطولة والصمود، ويبقى الوطن آمنًا قويًا موحدًا إلى الأبد.












إصابة 30 شخصًا في حادث تصادم أتوبيسين بطريق منفذ أرقين - أبو...
حبس المتهم بالتعدى على شخص بسلاح أبيض فى المرج 4 أيام على...
محكمة الجنح تؤيد حبس متهمين فى قضية ”خناقة كمبوند الفردوس” سنة و6...
حبس حبيبة رضا 6 أشهر بتهمة نشر فيديوهات خادشة
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل