الإثنين 6 يوليو 2026 01:05 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

هدى حجاجي أحمد تكتب: وطنٌ يفترش الظلام

الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد
الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد

في بلادي، لم يعد الظلام يأتي مع حلول الليل فقط، بل صار يقيم في تفاصيل النهار. يطل من عيون المتعبين، ويتسلل إلى وجوه المنتظرين في طوابير الحياة الطويلة، ويتمدد فوق الأرصفة التي تحولت إلى أسِرّةٍ للفقراء والمنسيين.

هناك، حيث يفترش البسطاء الإسفلت ويلتحفون السماء، يبدو الوطن وكأنه فقد طريقه إلى أبنائه. رجالٌ أرهقتهم السنون حتى انحنت ظهورهم قبل أوانها، ونساءٌ يحملن فوق أكتافهن أثقال أعمارٍ كاملة من الحرمان، وأطفالٌ يتعلمون مبكرًا أن الأحلام ليست حقًا متاحًا للجميع.

تحت الكباري، وفي زوايا الشوارع البعيدة عن عدسات التصوير، ينام وطنٌ كامل لا تراه نشرات الأخبار. وطنٌ لا يعرف لغة الأرقام ولا بيانات الإنجاز، بل يعرف جيدًا لغة الجوع والخوف والانتظار. وطنٌ يصرخ بصمت، ويئن في العراء، بينما تستمر الحياة فوقه كأن شيئًا لم يكن.

تمر السيارات الفارهة فوق رؤوس النائمين في الظل، وتعبر المواكب المسرعة، وتتبدل الوجوه على الشاشات، لكن المشهد في الأسفل يبقى كما هو؛ إنسانٌ يبحث عن كرامة، وعن فرصة، وعن مكانٍ صغير يشعر فيه أنه مواطن لا عبءٌ زائد على هامش الحكاية.

وحين تفتح التلفاز، ترى وطنًا آخر. وطنًا لامعًا، مرتبًا، مليئًا بالاحتفالات والكلمات الكبيرة. لكنك لا ترى تلك العيون التي أنهكها السهر، ولا تلك الأيدي التي تآكلت من العمل دون أن تحصد سوى التعب. لا ترى الذين سقطوا من الصورة، وكأن الفقر إذا غاب عن الكاميرا اختفى من الواقع.

المأساة ليست أن يوجد الفقراء، فالفقر عرفته البشرية منذ فجر التاريخ. المأساة أن يصبح وجودهم أمرًا عاديًا، وأن نعتاد مشهد الإنسان النائم على الرصيف حتى لا يعود يهز ضمائرنا. أن يتحول الألم إلى منظر مألوف، والبؤس إلى جزءٍ من ديكور المدينة.

فالأوطان لا تُقاس بعدد الجسور التي تُبنى، ولا بارتفاع الأبراج التي تعانق السماء، بل تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان البسيط من السقوط في العتمة. تُقاس بكرامة العجوز، وأمان الطفل، وحق العامل في حياةٍ لا يلتهمها القلق كل صباح.

لا أكتب هذه الكلمات كخصومة مع الوطن، بل كعتابٍ عليه. فالذين يحبون أوطانهم لا يصفقون لها فقط، بل يخافون عليها من اتساع الفجوة بين الصورة والحقيقة، بين الضوء المسلط على الواجهات والظلام الممدد في الخلفية.

وطنٌ يفترش الظلام ليس وطنًا ينقصه الإسمنت أو الحديد، بل وطنًا يحتاج إلى أن يرى أبناءه جميعًا. يحتاج أن ينحني قليلًا نحو الأرصفة، وأن يصغي إلى أنين الذين سقطوا من حسابات المشهد العام.

فحين يجد آخر مواطنٍ متعب مكانًا كريمًا تحت الشمس، وحين تصبح الكرامة حقًا لا أمنية، عندها فقط يمكن للظلام أن يتراجع خطوة، ويستعيد الوطن وجهه الذي يستحقه.

هدى حجاجي أحمد وطنٌ يفترش الظلام الجارديان المصريه