الخميس 9 يوليو 2026 07:51 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

خارج الحدود

إيران.. ذا جارديان البريطانية: الرئيس الأمريكي لا يفهم عدوه.. وطهران تمتلك ثلاثة أشكال رئيسية من أوراق الضغط أهمها مضيق هرمز

ترامب
ترامب

في وقت عاودت فيه واشنطن إلى قصف إيران وتتصاعد فيه التوترات حول مضيق هرمز، يرى الباحث المتخصص في العلاقات الأمريكية الإيرانية والقضايا النووية في مركز السياسة الدولية، سينا توسي أن إدارة دونالد ترامب تكرر أخطاءها القديمة في التعامل مع طهران، من دون أن تدرك أن الحرب أعادت تشكيل حسابات إيران الاستراتيجية وأوراق الضغط التي تملكها، مشددا على أن المشكلة لا تتعلق فقط بانهيار مذكرة التفاهم بين الطرفين، بل بعجز الولايات المتحدة عن تقديم ضمانات موثوقة تدفع إيران إلى التخلي عن نفوذها، وفي مقدمة ذلك سيطرتها على أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

ويقول توسي، والذي يحمل الجنسيتين الأمريكية والإيرانية، في مقال نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية: يتصرف ترامب وكأن ساحة المعركة لم تتغير، لكنها تغيرت بالفعل؛ حيث تمتلك إيران تمتلك أوراق ضغط، وتعرف كيف تستخدمها.

ويضيف: لم يبدأ انهيار مذكرة التفاهم هذا الأسبوع. فقد بدأت تتفكك تقريبا منذ اللحظة التي وقعت فيها، بسبب المشكلة الجوهرية التي ظلت تلاحق الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية لعقود، وهي غياب أي أساس موثوق للثقة. فلم يكن لدى طهران سبب حقيقي للاعتقاد بأن واشنطن ستقدم تخفيفا دائما للعقوبات، أو أنها ستتخلى عن استراتيجيتها الراسخة القائمة على الإكراه والسعي إلى تغيير النظام، أو أنها ستمتنع عن العودة إلى هذه السياسات نفسها بمجرد أن تتخلى إيران عن أهم مصادر نفوذها. ولهذا السبب تحديدا تحولت معركة مضيق هرمز إلى القضية المركزية في المذكرة، لا إلى خلاف جانبي.

تفاهمات بلا ضمانات

"على الورق، كانت المذكرة توفر مسارا نحو خفض التصعيد؛ حيث يقوم منطقها على التدرج من خلال استئناف الملاحة عبر مضيق هرمز وفق ترتيبات إيرانية، ورفع الحصار الأمريكي على إيران، ومنح طهران إعفاء نفطيا وإتاحة الوصول إلى جزء من أصولها المجمدة، ووقف التهديدات، وإنهاء الحرب في لبنان. وكان يفترض أن تشكل هذه الخطوات مجتمعة الحد الأدنى من الثقة بعد الحرب، وأن تفتح الباب أمام مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني"، بحسب المقال.

الدخان يتصاعد جراء اللهجمات الأمريكية على أهداف إيرانية

ويقول توسي: لكن هذا المنطق كان قائما على افتراض هش بأن تتعامل واشنطن وطهران مع التنفيذ الجزئي بوصفه جرًا نحو تسوية أوسع، لا بوصفه فرصة للحفاظ على أوراق الضغط واختبار صلابة الطرف الآخر. وفي الواقع، لم يقتنع أي من الطرفين بأن الطرف الآخر يفي بالتعهدات التي يعتبرها الأهم.

انتهاكات أمريكية واسعة

من منظور طهران، بدأت واشنطن انتهاك البنود الأساسية فورا؛ إذ إن البند الأول في المذكرة، الذي دعا إلى إنهاء الحرب في لبنان، لم ينفذ قط، مع استمرار القوات الإسرائيلية في عملياتها والحفاظ على وجودها في أجزاء من البلاد. كما أن الولايات المتحدة، بحسب تقارير، قاومت الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة بالحجم الذي كانت طهران تتوقعه، وفق المقال.

ويضيف الكاتب: كما واصل ترامب إطلاق التهديدات العسكرية، بما في ذلك تهديده العلني خلال الجولة الأولى من المحادثات في سويسرا باختطاف المفاوضين الإيرانيين. ثم في 7 يوليو، ألغت الولايات المتحدة إعفاء صادرات النفط الإيرانية، في وقت كانت فيه طهران تحاول ترسيخ سيطرتها على الملاحة عبر هرمز، ليس عبر إغلاق المضيق بشكل دائم، بل من خلال إجبار السفن على المرور عبر المسار الشمالي الذي حددته، بدلا من المسار الجنوبي المدعوم أمريكيا.

تصاعد الشك المتبادل بين الطرفين

يقول توسي: خلص كل طرف إلى أن الطرف الآخر يقتنص التنازلات، بينما يمتنع عن تقديم ما عليه. غير أن هذا الشك المتبادل ليس مجرد نتيجة للأحداث الأخيرة، بل هو انعكاس لعقود من الدبلوماسية الفاشلة.

دونالد ترامب يجيب على الأسئلة خلال مؤتمر صحفي في قمة حلف الناتو في أنقرة

ويتابع: صناع القرار في إيران رأوا أن العقوبات تفرض مرارا، ثم تُفف جزئيا، ثم يعاد فرضها عبر إدارات أمريكية متعاقبة، وأ جزءا كبيرا من بنية العقوبات الأميريكية راسخ في تشريعات الكونجرس، ما يترك للرؤساء هامش الاعتماد على إعفاءات مؤقتة قابلة للإلغاء بقرار واحد. ولهذا السبب لم ينجح تخفيف العقوبات بعد الاتفاق النووي عام 2015 في إنتاج مستوى الاستثمار أو الاندماج المصرفي أو الاستقرار الاقتصادي الذي كانت إيران تتوقعه.

تنامي أهمية مضيفق هرمز

وفيما يتعلق بمضيق هرمز، يرى الكاتب أنه "أصبح أكثر أهمية مما كان عليه قبل الحرب. فاحتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي لا يزال منخفضا إلى حد كبير، بينما تظل المخزونات النفطية العالمية مشدودة، في وقت بقيت فيه حركة الشحن عبر مضيق هرمز أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب. والنتيجة هي تقلص القدرة على امتصاص أي اضطراب طويل الأمد في المضيق، بما يزيد خطر حدوث صدمة طاقة عالمية أكبر بكثير.

السيطرة على مضيق هرمز أحد أهم أوراق الضغط الإيرانية

ويقول توسي: على عكس التخلي عن البرنامج النووي أو عن مصادر ضغط أخرى مقابل تخفيف للعقوبات قد يتبين لاحقا أنه مؤقت، فإن مضيق هرمز يمنح طهران شيئا مختلفا جذريا باعتباره ضمانة تقع في يدها هي نفسها. فمن خلال توجيه حركة المرور التجارية عبر الممر الذي حددته، وربما إنشاء إدارة مشتركة قادرة على تحصيل رسوم العبور مع جارتها البحرية سلطنة عمان، ستربط إيران ازدهارها الخاص، وكلفة الضغط عليها، مباشرة بعمل الاقتصاد العالمي. وقد يتخلى رؤساء أمريكيون مستقبليون عن الدبلوماسية، وقد يشدد الكونجرس العقوبات مجددًا، لكن فعل ذلك لن يعود بلا كلفة اقتصادية على الولايات المتحدة.

ثلاثة أشكال رئيسية من النفوذ الإيراني

يؤكد الكاتب أن إيران تمتلك اليوم ثلاثة أشكال رئيسية من النفوذ في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. الأول هو قدراتها العسكرية وشبكة تحالفاتها الإقليمية، بما في ذلك قواتها الصاروخية والمسيرات، وأصولها البحرية غير المتكافئة، وشركاؤها مثل حزب الله والحوثيين والجماعات المسلحة في العراق. وهذه الأدوات قادرة على فرض كلفة عسكرية كبيرة، على الرغم من أنها –على الأرجح- لن تحدث تغيير جذريا في ميزان القوة في مواجهة التفوق العسكري المشترك للولايات المتحدة وإسرائيل.

أما المصدر الثاني بحب المقال، فهو برنامج إيران النووي النووي، الذي ظل طويلا ورقة التفاوض الأساسية مع واشنطن، مضيفا: رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بمنشآت طهران النووية المعلنة، فإن هذا الملف لا يزال يترك لإيران خيارات مهمة إذا قررت الاندفاع نحو امتلاك القنبلة.

ويتابع: لكن المصدر الثالث من النفوذ -أي السيطرة على الممرات الاستراتيجية للطاقة في المنطقة، وعلى رأسها مضيق هرمز- فهو الذي أصبح، بصورة متزايدة، عنصرا لا غنى عنه.

وينهي توسي المقال قائلا: إذا فشلت واشنطن في إدراك مدى العمق الذي أعادت به الحرب تشكيل الحسابات الاستراتيجية لطهران، فإنها ستواصل التفاوض على أساس افتراضات لم تعد قائمة، وستواصل إنتاج اتفاقات لا يثق أي من الطرفين فعلا بأن الآخر سيلتزم بها.

الولايات المتحدة دونالد ترامب طهران واشنطن إيران الحرب مذكرة التفاهمات مضيق هرمز الملاحة النفط البرنامج النووي النووي المنشاة