الخميس 9 يوليو 2026 07:52 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

فنون وثقافة

الإعلامى الكبير محمد جراح يكتب: فضيلة مولانا (قصة قصيرة)

الإعلامى الكبير محمد جراح
الإعلامى الكبير محمد جراح

مثل فأس في يد فلاح ماهر رأيتها أداة وسلاحاً يقلب بها وجه الأرض؛ ويستنبت في جوفها الحب؛ فتحبل بشتى صنوف الحصاد؛ مثلما رأيتها في يد غيره معولاً تشق بطن الأرض؛ وتقتلع جذور الأشجار؛ فتموت واقفة؛ حتى يأتي الحطاب فيحملها إلى أتونها!.
لم أسم ما تولد بيني وبين ابنة الجيران، كنت صغيراً لم يبرح مرحلة الفتوة، ولم تكن هي قد بلغت مبلغ النساء؛ وإن تمتع جسدها ببعض مظاهرهن
جمعتنا زمالة الفصل؛ وطول الطريق إلى المدرسة لكن خناقات والديها جعلتني أتلكأ عنها؛ أو أسبقها؛ وفي الفصل صرت أتعمد ألا أنظر ناحيتها!.
لم أعرف على ماذا كان والداها في صراخ دائم وزعيق متصل، مما يستدعي تدخل الجيران للفصل بينهما غير مرة، وكان أبي أكثرهم وهو يحاول وصل ما انقطع من حبال الود التي جمعتهما في المرة الأولى، لكنها في المرة الأخيرة أفلتت من يد الجميع؛ وخرجت منكوشة الشعر تسبه بأمه وأبيه، وخاب ظن من توقع ذهابها إلى بيت أهلها؛ لما عادت وبصحبتها نفر من عساكر نقطة الشرطة؛ وسيق جارنا مكسوراً ومهاناً؛ وانطلقت به سيارة العسكر العتيقة إلى مكانه المعلوم!.
كنت فتى يعي ويفسر الأشياء؛ ومضيت أقسو على ذاتي فلا أسير في مواكب الأقران؛ كما أهملت في تلك الأيام دون مبرر أصص زهوري حتى مالت شجيراتها عطشاً؛ وأنا لا أكف عن إهدار الماء في الشارع؛ أو داخل المرحاض؛ كان باستطاعتي أن أرويها؛ لكنني أهملتها؛ وتركتها كما هي.
لا أدري كيف نظرت إلى نفسي فرأيتني مثل أبيها؛ وأراها مثل أمها؛ فتبخر كل ما كنت أشعر به ناحتها.
على العكس من الجميع؛ لم أكن لأجلس أمام التلفاز إلا مضطراً؛ ومن أجل الأخبار، ونادراً ما شدتني برامجه برتابة وسطحية موضوعاتها؛ وضحالة المحاورين؛ وتواطأ الضيوف، حتى بدا لي أن القضايا قد اُتفق على إجاباتها، مثلما تم الاتفاق على أسئلتها، لكنني في المرة الأخيرة توقفت ورغماً مني تابعت!.
كن ثلة ممن يطلقن على أنفسهن سيدات المجتمع، تنوعن في مراكزهن بين من شغلت منصب الوزير أو السفير؛ وبين من عملت بالقضاء؛ وكلهن يتفاخرن بانتسابهن إلى أندية تديرها منظمات؛ أو هيئات تسكن الغرب دائماً، وكان بينهن واحد من أولئك الشيوخ الذين صاروا من نجوم الشاشات؛ ومنصات المنتديات؛ والصالونات الكثيرة.
احتدم النقاش؛ وفي لحظة أشفقت على ذلك الشيخ؛ وتوقعت اختفاء ابتسامته المندهشة في بلاهة على الدوام؛ من أولئك النسوة وأسئلتهن الخبيثة؛ وما يمكن أن يورطنه فيه من فتاوى في مسائل الفقه وحكم الشرع، لكنني لاحظت أنه كلما هدأ النقاش؛ عاد فرمي لهن بما يريد الحديث فيه؛ فيفقن متباريات في سؤاله ومحاصرته؛ ولم تغادره في ذروة الاحتدام ابتسامته البلهاء وهو يواصل الإجابة؛ ويتجرأ بالقطع والفصل في مسائل خلافية في ترتيب وضع الأسرة؛ ومكانة المرأة؛ ومنزلة الرجل فيها؛ وكنا وكان يتفاخرون جميعاً بما تحقق من مكاسب؛ وما ينتظر المرأة من مكاسب جديدة تضيق على الزوج وتجعله كالبضاعة أو الأجهزة يحمل شهادة صلاحية!.
ازعجني ما أسمعه وأراه، وغاظني الشيخ بابسامته البلهاء حتى اختطفني النوم وارتقيت مداراته؛ ولا أعرف متى انفض ذلك المجلس؟؛ ولا متى انتهى الإرسال، وولا متى قاد "عبد الوهاب" الفرقة الموسيقية ببزته العسكرية لعزف السلام الجمهوري؛ حتى أتى من نفسه في كامل هندامه الأزهري يمضي في وقار أقرب إلى الحزن باتجاه مكتبه الذي يسكن محلاً يشبه محال البقالة الكبيرة؛ ويشرع أبوابه الحديدية على براح شارع سوق الخميس.
لم يزعجني أن أراه في مكتبه وقد سكن ذلك المكان؛ ومن خلفه شخص يشبه ويفعل ما فعله ذلك الشخص الذي حمل "صندل"(1) الملك "نارمر"(2) المنقوش في صلايته(3) الشهيرة؛ التي سجل فيها توحيده لمملكتي الشمال والجنوب. خمنت أنه ربما يكون سكرتيره الخاص؛ وربما كان مدير مكتبه، لكنه في كل أحواله لم يتحدث في شيء، ولا دون أي شيء في النوتة التي يحملها في يده الأخرى!.
أراد الشيخ الجلوس فتحرك حافياً إلى طاولة مكتبه المزدانة بالزخارف النباتية التي تشتهر بها العمارة الإسلامية؛ ولا أدري كيف تجرأت فتقدمت آمراً ذلك الشخص المطيع أن يضع الصندل أسفل قدمي الشيخ فلا تتسخا إذا ما سار أو حتى قعد.
كان بالشارع الواسع والمزدحم حفرة كبيرة تجنبها البعض، وتعثر فيها آخرون، لكنهم لم يسلموا جميعاً من القمامة والقاذورات التي تغطي الأرض؛ فتعفرت أحذيتهم وتعلقت البقايا بذيول ملابسهم، لكنهم مضوا في غير اهتمام.
جلس الشيخ على مكتبه؛ فلمحت أسفل الطاولة فأساً ومقشة كبيرة بجوار قدمه تشبه عراجين كناسي البلدية، كان المشهد غريباً وعجيباً؛ وأنا أتساءل مالذي أتى بتلك الأدوات إلى المكتب؟، وربما كان الحرج من وجودها هو ما دفع الشيخ إلى تحريك قدمه ليخبئها أسفل طاولته العتيقة؛ لم يرق لي ما فعله فضيلته وأنا أنظر ممتعضاً فأراهما بوضوح؛ الفأس والمقشة ظاهرتين لأي مار؛ أو ناظر أسفل الطاولة العتيقة.
كان فضيلته ما يزال على هدوئه وحياده الحزين، ومن جديد تجرأت فتقدمت لإبعاد تلك الأدوات من مكانها؛ فأفسح لي الشيخ موافقاً؛ رأيت الحائط مكاناً مناسباً لتركن إلى جواره، ثم عدت فرأيت أن المشهد لا يليق.
وقفت في مكاني حائراً لا أدري ماذا أفعل.؛ لكن فضيلته لم يتركني لحيرتي لما قام فشمر عن ساعديه وحمل الفأس
ثم بدأ في ردم الحفرة التي يتعثر فيها المارة.
أسعدني ما رأيته فوجدتني ألحق به حاملاً المكنسة أزيح بها البقايا والقاذورات عن وجه الشارع، وفي تلك اللحظة لمحت السكرتير وقد أمسك بقلمه وابتدأ التدوين في نوتته.
في الصباح قصدت أصص الزرع، كان بيدي رشاش الماء فابتدأت في ري التربة، وغسل الأوراق من غبارها، وما أن انتهيت حتى كانت الأغصان قد أينعت، وقامت الشواشي فاستقامت في زهو، بينما نسيم عليل يداعبها ويصنع في قلبي السرور، فلمحتها كانت عائدة إلى بيتها بصحبة والديها تعلو وجوهم جميعاً سعادة لم أرها من قبل على أي منهم؛ فابتسمت أنا أيضاً وأنا أشعر بالسعادة وقد غمرتني!..

محمد جراح فضيلة مولانا الجارديان المصريه