السبت 25 سبتمبر 2021 08:02 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الدكتور حمدى الجابرى يكتب : إحياء آثار الفسطاط ومصر عتيقة مشروع قومى طال إهماله

الدكتور حمدى الجابرى
الدكتور حمدى الجابرى

الرئيس السيسى ينسب اليه وحده – نعم وحده .. دون أى إنسان آخر أو وزارة أو منظمة أو هيئة – فضل إعادة الحياة الى القاهرة القديمة التى كانت تسمى لدى العامة (مصر عتيقة) والفسطاط وعين الصيرة .. وكذلك مجرى العيون الذى يستحق وقفة خاصة مع دور كل من صلاح الدين الأيوبى وبالذات بهاء الدين قراقوش بكل خلفيتيهما .. العسكرية ..
الفسطاط التى أنشأها عمرو بن العاص لتصبح العاصمة الاسلامية منذ أكثر من ألف عام أصابها الوهن والضياع مع تغير الناس والحكام والأماكن البديلة كالقطائع والعسكر ثم القاهرة التى ضمتها جميعا .. ومع ذلك ظلت لها مكانتها الأثيرة لدى أهل مصر الذين لم ينقطعوا عنها يوما بسبب التردد على الأماكن الدينية الاسلامية والمسيحية التى تزخر بها وحتى اليوم والتى أضيف اليها متحف الحضارة مؤخرا لتزداد المنطقة ثراءا والتاريخ والآثار .. احتراما تستحقه ومصر وأهلها ..
لم يكن من المنطقى أو المقبول استمرار إهمال هذه المنطقة الثرية طوال عشرات السنين تحولت خلالها -بعد كل ماضيها العظيم- الى خرابات وأماكن لتجمعات غير إنسانية أصبحت مضربا للمثل بسبب العشوائية التى سادت فيها ليس فقط على الآثار ولكن أيضا .. البشر .. والتى يمكن أن يدل عليها منطقة (عزبة أبو قرن) فى قلبها التى اضطرت الشرطة الى مواجهتها أكثر من مرة دون جدوى .. مثلها فى ذلك مثل المساكن الشعبية فى منطقتى (زينهم – أبو السعود) التى زادتها سوءا مساكن الإيواء بكل ما ينتج عنها من تخريب للقيم والأخلاقيات والسلوكيات ..
نفس الإهمال الحكومى والإحتياج الشعبى الى السكن وأكل العيش وإنتهاز الفرص ادى الى إمتدادات عشوائية فى المنطقة الفاصلة بينها أمام متحف الحضارة وصولا الى البساتين فظهرت فيها بجانب المساكن عزبة خير الله ومنطقة الإيرانية وورش الرخام ومعارضه السايبة فى كل الشوارع والحارات بين المقابر وفوقها وداخل بحيرة عين الصيرة نفسها التى فقدت ملامحها كبحيرة كبريتية ولم يكن لوجود (الخيالة) التابعة لوزارة الداخلية نفسها أى أثر فى وقف كل هذه التجاوزات على البشر الأحياء والأموات والآثار حتى ولو كان بعضها يخص بعض آل بيت النبى (ص)..
لم تستطع حكومة أو نظام - قبل الرئيس السيسى - أو قوة أو نفوذ أو سلطة ومنذ عشرات السنين التعامل الجدى مع هذه المشكلة الضارة بالحجر والبشر والتاريخ والواقع والمستقبل فقط لأنها بعيدة عن العين .. عين الدولة بعد انتقال مقر الحكم وسكن الحكام الى أماكن أخرى منذ مئات السنين وبالتالى أهلها لا يستحقون الإهتمام فهم يعيشون بين الأموات فى المقابر وحولها وربما فوقها دون مستوى البشر رغم كل مايمكن أن ينتج عن ذلك من مخاطر تصيب أى حكم وأى نظام قديم أو حديث أو قادم .. طبعا إذا ما استمر الحال على ماهو عليه قبل تدخل الرئيس .. شخصيا ..
وأكرر .. شخصيا .. مثله فى ذلك مثل الرئيس عبد الناصر الذى فكر فى الاستفادة من نفس المنطقة فى الخمسينيات وأنشأ فى صحراء (تلال زينهم) المساكن الشعبية وفى تلال منطقة (أبو السعود) المقابلة لها بعد سور مجرى العيون مثلها وكل منهما قائمة حتى اليوم بجوار بحيرة عين الصيرة وبمرور الوقت وتغير الأنظمة والحكام أصابهما الإهمال وبقيت آثارهما الضارة .. هذه المرة وصل الضرر الى بحيرة عين الصيرة وتخطاها الى المساجد والمقابر الأثرية التى لم يتحرك أحد لإنقاذها .. والسبب على ما أظن هو الكثافة السكانية فى المساكن ومنطقة (أبو السعود) والمدابغ وحول سور مجرى العيون وحديقة الفسطاط الجديدة والمساكن حولها ، وكان من الطبيعى أن تتسرب مخلفاتها المائية والانسانية والسلوكية الى عين الصيرة وحولها والأهم هنا والآن هو إرتفاع منسوب البحيرة الذى بدأ فى الإرتفاع التدريجى البطىء عبر السنين والذى وصل الى إختفاء الطريق المنحدر بشدة عدة أمتار والمؤدى الى البحيرة وبعده والارتفاع الى حد الوصول الى الشارع العام ولم تنجح أية محاولات للتغلب على المشكلة ، وأظن أن السبب هو سوء التصرف أو التصريف الضرورى للأماكن الجديدة خاصة وأن ارتفاعها أكبر من البحيرة .. الكبريتية .. التى لم تعد كذلك للأسف وكأننا أهدرنا بسوء التصرف معلم طبيعى ساحر .. ومفيد .. الأهم هنا أن هذا الإرتفاع لمنسوب البحيرة كان لابد من وصوله الى مقابر وأماكن عبادة .. حتى أهل بيت الرسول (ص) الذين سكنوا مصر منذ أكثر من ألف عام .. آل طباطبا الكرام .. فأصبحت ورفاة أصحابها مهددة بالضياع الى أن توصل أهل الحل والربط الى نقلها من قلب البحيرة الى متحف الحضارة .. ودون الوقوف عند مدى أثر ذلك على القيمة الأثرية لها بعد نقلها فهذا متروك لأصحاب الشأن والإختصاص فالأهم هنا هو التأكد من عدم وصول المياه الى مستقرها الجديد فى متحف الحضارة نفسه .. صحيح أنه فى منطقة أكثر ارتفاعا من منسوب البحيرة وصحيح أيضا أن آخر محاولة للتغلب على هذا المنسوب قد قام بها المهندس ابراهيم محلب منذ سنوات قريبة عندما قامت المقاولون العرب برفع مستوى الشارع أمام البحيرة بدرجة كبيرة سرعان ما أثبتت الأيام أنها ليست كافية تماما الى أن تم التدخل أخيرا هذه الأيام .. وبالتأكيد وحتما ولابد أن يكون المخطط الجديد الرائع للمنطقة والبحيرة قد أخذ فى الإعتبار كل ذلك التاريخ وعمل أصحابه على تجفيف منابع الزيادة فى البحيرة سواء من المساكن الشعبية أو حديقة الفسطاط أو العزبة أو الايرانية أو المساكن الجديدة أمام متحف الحضارة التى لم تقبل عليها الناس لحسن الحظ وإلا سنجد أنفسنا أو أولادنا أو أحفادنا بعد مرور الوقت أمام نفس المشكلة مرة أخرى ..
سبب آخر يدعونى الى تأكيد فضل الرئيس السيسى شخصيا فى هذا الأمر كله وهو الذى يتعلق بحديث قديم فى بودابست مع الراحل العزيز أيام البعثة الدكتور أحمد قدرى عن الآثار الاسلامية المهملة فى مصر بعد مقارنتنا للآثار العثمانية القائمة والمستخدمة فى بودابست بنفس طريقة استخدامها منذ العصور الوسطى مثل الحمامات التركية .. وأظن أن الدكتور قدرى رحمه الله أراد أن يؤكد اهتمامه بالآثار الاسلامية بدعوته لى لزيارة القلعة أثناء تجديدها على أيدى أكثر من ألف شاب وشابة ومعها المتحف الحربى ومتحف المركبات الملكية وزيادة فى التأكيد أطلعنى على تقرير خبراء الآثار عن أثر المياه المتسربة للأثر سواء فى القلعة أو حولها .. أو فى منطقة أثار .. آل طباطبا .. وهو الأ ثر الهام والوحيد الباقى من عهد الاخشيد وحاول التغلب على مشاكله والمخاطر التى يتعرض لها بمعرفة العلماء الخبراء من أهل الإختصاص مثل الدكتور صالح لمعي أستاذ العمارة الإسلامية والترميم، وعضو هيئة متخصصة باليونسكو الذى يقول (إنه في ثمانينيات القرن الماضي كلفه الدكتور أحمد قدري عندما كان رئيسًا لهيئة الآثار بالموضوع، وكان مدير الهندسة حينها المرحوم حسان عبد النبي، يضيف: عاينا المبنى وقتها وكان غارقًا بمياه الصرف الصحي، فبحيرة عين الصيرة كانت مقصدًا للناس بغرض العلاج على أساس أنها مياه كبريتية وهذا الأمر كان يتم في عشرينيات القرن الماضي، لكن حين ذهبت وجدت أن المياه الموجودة حول المبنى هي مياه صرف صحي، وسبب المشكلة أنه بعد سنة ١٩٥٢، لم تحدث بنية تحتية، وأتذكر أنه في يوم من الأيام أغلقت منطقة السيدة زينب لثلاثة أيام بعد عمل بيارة عميقة ونبدأ سحب المياه من البيارة بطريقة دقيقة دون أن نسحب التراب أو الـSalt، حتى تظل التربة ثابتة دون مشاكل، وبعد أن تنتهي من تلك العملية يتم إصلاح المبنى، وهذا الموضوع كان مكلف للغاية، وميزانية هيئة الآثار لم تكن تسمح بعمل مشروع مثل هذا، فتوقف المشروع.)ولك أن تتخيل مقدار الزيادة فى (مياه الصرف الصحى) منذ ذلك الوقت بالإضافة الى الناتج عن عزبة خير الله ومساكن الفسطاط والايرانية والعشوائيات الأخرى الكثيرة .. لذلك كله لابد من تحية من تصدى للأمر.. بجدية ..
أما وزير الآثار فأظن أنه بعد النجاح الباهر لاحتفالية نقل ملوك مصر الى متحف الحضارة المذهل للبحيرة وحولها ليس فى حاجة الى مزيد من التعليمات الرئاسية للمبادرة الى إنقاذ اسطبل عنتر والسبع بنات ومن غير فك وتركيب كلما أمكن وبالتأكيد بدون .. هدم .. ذلك الهدم الذى قد يكون مشروعا اللجوء اليه فقط تحت كوبرى التونسى للعشوائيات دون انتظار حادث سقوط سيارة من فوق الكوبرى أو حريق كبير تلك المنطقة التى أصبحت تهدد ما تبقى من المستقر الأخير لأعز الرجال بائع الأمراء العز بن عبد السلام وبالذات فى منطقة السادات وحول أرض عز الرجال ومنطقة المواصلة التى لم يبق منها غير اسمها .. وكلها كنوز أثرية لا تعوض أو تقدر بثمن ..