الخميس 25 يوليو 2024 06:10 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الومضه السابعه” الجزء الثاني”

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز يكتب : من الشبَّاك.

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز
الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز

تحولت الاغنيه العاطفيه فجأه الي اغنيه شعبيه ، المغني يكرر بزعيق جمله الفنانه نجاه " من الشباك " ويتجه الي صاحب الطبله يطلب منه الضرب يشده علي طبلاه ليُسمع حبيبته التي توارت منذ قليل خلف النافذه الخشبيه انه يصرخ بحبها وتصرخ الطبله معه ، ويطلب عودتها الي الشباك كي تعود الاغنيه عاطفيه الي سابق عهدها وينشر الاحاسيس المرهفه بالحاره كما انه يريد ان يستمتع بها اهل الحاره المطلين علي الفرح من النوافذ الخشبيه ووكذالك المعازيم الذين جاؤا خصيصا من باقي الشوارع والحارات لسماع عبده الحلو ، في الحقيقه ان عبده الحلو كان يغني للجميع في باقي الحارات ، جدعان وسيس ، اباضيه وكرديونات ، آنسات وسيدات ، كان يغني ويقصد بغناه امتاع الكل ، ولكنه الليله يغني لحبيبته، فلابد من هجر الناس وامتاع نفسه وحبيته التي توارت في منتصف الاغنيه وأوصدت الشباك بعد ان تسلطن بالغناء حبيبها وهو يقلد عبدالحليم حافظ وينظر ناحيه شباكها ويعبر بالحن المقام تلو الاخر ، حتي استعجب اهل الحاره من غناه هذه المره الذي لايشبه غناء المطرب الشعبي بل يتحول مطربهم الشعبي بقدره قادر الي مطرب عاطفي يغزو صوته حنانا بغير زعيق ، وسحرا بغير بريق ، وفي كل مره يسترق نظره الي الاعلي يسرح وهويطالع النوافذ الخشبيه المغلق منها والموارب وكذا المفتوح علي مصرعيه ، لم يعلم احد من اهل الحاره ان حبيبته كانت تضع خدها علي الشباك القريب من خشبه مسرح الفرح الذي شغل اكثر من ثلثي الحاره طولا وعرضا بفراشه مشغولا عليها بالخيوط اسم صاحبها "سعيد الخبازه" واسفل الاسم رقم تليفون لم يلتقطه احد في الحي لان سعيد الخبازه اسمه في الفراشه ذي الطبل يعرفه كل اهالي الحارات فلم يكن لكتابته "علي كل موضع فيها" داع في الاصل !.
علمت حبيبه "عبده الحلو " انه سوف يحي فرحا في الحاره تحت شباكها ،فنضت عن جسدها ثوب شغل البيت واختارت اجمل الفساتين فتزينت ، بعدها تذكرت كلمات الاغنيه فوضعت ورده بيضاء في شعرها المسترسل علي خشب الشباك تنتظره وهي تهمس مع نفسها حبيبي جاي ، وتردد كلماتها التي تمنت ان تغنيها له ولكن لابأس هما حبيبان قد احلت روحيهما جسدا واحدا بعد ان تلاقت اعينهما في ربيع احد ايام الحاره وهم في مقتبل العمر عندما كانت الحاره تذهب برمتها الي الحدائق والمتنزهات يوم شم النسيم.
قبل مجئ حبيبها المطرب عبده الحلو لاحظت الحبيبه شيئا غير مألوف يجري علي خشبه المسرح التي تلف ارجاؤه فراشه " سعيد الخبازه " الرخيصه من شتي الاتجاهات ، الشئ الغير مألوف ان يخلو مسرح العرس من النقطه واصحابها الذين يرددون كثيرا من افواههم "ميت مره" فيُصدَعُون المعازيم بغير طائل ولا جدوي من ترديد جملتهم الشهيره، كما خلت خشبه العرس من الشرب والشاربين ، والسكر والسكرانين ، ولاحظت ايضا ان ليس هنا مقدما لفقرات العرس ( نبطشي ) فأيقنت ان حبيبها وحده وفرقته هم وحدهم سوف يحيون فرح الحاره لجل خاطرها ، ويكون المسرح فقراته كلها "لعبده الحلو" الذي بدأ بأغنيه عبدالحليم حافظ "فاتت جنبنا " ولما انتهي منها وايقن ان حبيبته تتابعه من الشباك، بدأ السلطنه في اغنيه من الشباك ،يومها صعد عبده الحلو جميع السلالم الموسيقيه للوصول الي شباك حبيبته التي تضع خدها علي الشباك ، وفي شعرها غرست ورده بيضاء ، وبسبب حاله الحب تحول الفرح من فرح شعبي الي فرح عاطفي ، الكل هيمان وينصت في شغف لسماع مطربهم الشعبي الذي تحول بقدره قادر هذه الليله الي مطرب عاطفي يغني اغاني عبدالحليم حافظ ونجاة ، كان من قبل ينظر للاسفل والان ينظر للاعلي ولايهبط بنظره اليهم وكأنهم هواء في الشادر المنصوب ، لم يري المطرب في هذه الليله الا شباك حبيبته وشعرها المسدول وخدها الملاصق للخشب ووجها الصبوح الحالم الذي زادته الكهارب واللمبات ضياءا علي ضياء ،.
انتهي عبو الحلو من اغنيه فاتت جنبنا فصفق له اهل الحاره ورمقته حبيبته من بعيد بنظره تبعتها بإبتسامه ثم اشارت الي الشباك ، فعلم انها تريد سماع اغنيه "من الشباك" لنجاة ، فبدأ يشدو بها ناظرا نحو شباكها ، كانت الامور تمشي علي مايرام ، وفجأه وهو يصعد نحوها وفي منتصف السلم الموسيقي لاحظ حركه مريبه في الشباك وحبيبته تلتفت الي الخلف وتلبي نداء اباها بالدخول ، فأوصدت الشباك برفق ورمقته بنظره حزينه وهذا مادعاه بأن يذهب الي ضارب الطبل ليزيد من صخب طبلته حتي تخترق الحيطان وتستقر في اذن حبيبته فتعاود فتح شباكها ، وكلما خبت صوت الطبله توجه له ثانيه ليشد من ازره فيعلو بطبلته ، مرددا مع صوت الطبله مقطع " من الشباك" عشرات المرات حتي جاوزت الطبله حدود الاغنيه العاطفيه الي مشارف حدود الاغنيه الشعبيه بل تخطتها ، وعندئذ رقصت الحاره وانتشي المعازيم فأضطر عبده الحلو لتغيير النغمه العاطفيه الي نغمه شعبيه وراح يغني اغاني عدويه وكتكوت الامير وعبد الباسط حموده ، بعدها لم تفتح الحلوه شباكها ولم يعد الحلو الي الاغنيه العاطفيه بل احترف الغناء الشعبي بعدما رقصت علي موسيقاه الصاخبه حارتنا التي تجيد الرقص في المناسبات وهذا جيد فالرقص والاهتزاز كثيرا مايُروح علي النفس المتعبه .