الأربعاء 19 يونيو 2024 10:08 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

فنون وثقافة

الأديبة مى علام تكتب : ممنوع

الأديبة مى علام
الأديبة مى علام

عن دار كنوز للنشر والتوزيع، تصدر -قريبًا- المجموعة القصصية الجديدة للقاصة والروائية/ مي علام، بعد عدد من العناوين المنشورة لها مع كنوز. ومن المجموعة ذات العنوان المفاجئ للوسط الثقافي -بإذن الله، ننتقي لكم اليوم القصة القصيرة "ممنوع".

"ممنوع"

هل الممنوع مرغوب بالفعل؟ أم أنه مجرد انجذاب تلقائي بدون أسباب؟!

هل تدرك روحك بما ترغبه؟ فتكبت أنت رغباتها الملحة، فتتمسك بعناد بأفكارك الحمقاء راكضًا نحو العتمة، وحين تستفيق تجد العتمة تحاصرك ولا ملاذ لك ولا شعاع ضوء، فتفقد بصرك وبصيرتك. حينها تصبح مُسيرًا كألأنعام، لكنك إن تمسكت بشفافية روحك ووثقت في اختياراتها تأكد أن هالتك الروحية ستزداد بريقًا، لذا لا تجعل الممنوع ممنوعًا بل أسبر أغواره واقتحمه لتدرك لذته. لا تيأس وتعد أدراجك فأحيانًا يجب إطلاق الوحش الكامن بداخلنا لننعم بلذة الانتصار، وبالأخص في هذا العصر، فكل شيء ممنوع بوضع شريط لاصق رغمًا عنك، ورفع لافتة شعارها "إياك.. احذر!".

رغم التظاهر بممارسة الحريات الزائفة، فجميعها شعارات لا أساس لها من الصحة، فلتنزع الشريط اللاصق، وتتحمل العواقب مهما كانت، فقد تكون ما لم تكن تتوقعه!

قطرات الندى على زجاج نافذتي تهمهم لي أن كل يوم كسابقه، الرتابة والملل تيمته، أبحث عن شىء غير مألوف، يكاد اليأس يتسلل لنفسي فأقاومه، وأضع الأمل بداخلي رغمًا عنه، فأرتدي نظارة مغايرة لأرى الأشياء مغايرة.

استيقظت دليدا في العاشرة صباحًا، أمسكت هاتفها تتفحصه، فارتسمت خيبة الأمل على وجهها، وقذفته بغضب صائحة: "اللعنة!"، فقد كانت تنتظر مكالمة من إحدى القنوات الفضائية التي أجرت معها مقابلة للعمل كمذيعة، مضى عام ولم يهاتفها أحد.

نهضت من الفراش للاستحمام، وقررت أن تقوم بنزهة مع كلبها. كانت تدندن بأغنية ما وهي تستحم، حين تناهى لمسامعها صوت هاتفها وهو يرن. ارتدت ثوب الحمام، وركضت لتبحث عنه، وهي تصيح: "أين أنت يا لعين؟! أخيرااااا".

دليدا: ألو..

اتسعت عيناها من السعادة، وأغلقت الخط، وأصبحت كالطفلة تقفز هنا وهناك، ومالت على الكلب، قبلته.

- أخيرًا تحقق حلمي، وسأعمل بالوظيفة التي حلمت بها، سنسدد جميع الديون.

انتبهت أنها مازالت ترتدي ثوب الحمام، فأطلقت ضحكة، وانطلقت لتبحث في خزانتها عما سترتديه.

استقبلتها موظفة الاستقبال، وطلبت منها أن تنتظر قليلاً، وبعدها وجدت نفسها واقفة أمام غرفة مدير القناة. أخذت نفسًا عميقًا وطرقت باب الغرفة. وجدت شخصًا أنيقًا يرتدي بزة، استقبلها بترحاب. انطلقت هي في الحديث بحماسة عن أهدافها ومهاراتها، وما تنوي تقديمه. حاول الرجل مقاطعتها وإخبارها بشيء ما، لكنه فشل، فهي لم تتوقف لحظة عن الكلام. يئس الرجل، فوضع كفه على وجنتيه ولاذ بالصمت، حتى انتهت وسألته عن رأيه.

مط الرجل شفتيه، وعلي وجهه ابتسامة غامضة قائلاً: من وجهة نظري أنت رائعة وجديرة بالوظيفة، ولكن يا آنستي! لا حيلة لي في أمر تعيينك، فالأمر يعود إلى...

وأشار بأصبعه لشخص واقف عند الشرفة، ينفث دخان سيجارته، يرتدي قميصًا وبنطالاً قصيرًا، وشعره أسود مموجًا، والكِبر يملؤه. ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة وهو يتأمل دليدا التي سألت بدهشة الرجل الجالس على المكتب: عذرًا، من هذا؟

أدرك الرجل حيرتها: عفوًا، لقد حاولت أن أخبرك أنني لست بمدير القناة، ولكن أنتِ لم تعطِني فرصة، لقد كنتِ متحمسة للغاية، والآن حان وقت التعارف. أنا يوسف، طبيب، صديق فريد رئيس القناة.

ابتلعت دليدا ريقها: ولكن أنت تجلس على المكتب و...

أشار فريد إليها بأن تقف، فلم تفهم مقصده، فقال بعصبية: قفي من فضلك.

وقفت دليدا فأخذ فريد يدور حولها، وبدا أنه غير مقتنع بهيأتها على الإطلاق، فقد كانت ترتدي بزة كالرجال، وتعقف شعرها للخلف، ولا تضع أي مساحيق. زفر فريد بضيق: "اللعنة!"، وأشار إليها بأن تجلس، وجلس قبالتها وأشعل سيجارة دون أن ينظر إليها: آنستي، هل قرأتِ إعلان الوظيفة جيدًا؟

دليدا بحماسة: كلمة كلمة سيدي.

فريد: الإعلان يشترط امرأة أنثى، تتمتع بسحر ومظهر خلاب.

دليدا بدهشة: عفوًا، لا أفهم ما تعنيه!

فريد ساخرًا: أنا لا أرى أي امرأة هنا، فقط أسمع صوت امرأة، لكن ما أراه هو رجل، ولا أقصد إهانتك.

ابتسم يوسف رغمًا عنه على وقاحة فريد، واندفعت دماء الغضب بوجه دليدا وصاحت: أنت لا تتمتع بأي ذوق. من تظن نفسك لكي تتفوه بهذه الكلمات؟!!

فريد مقاطعًا إياها بحدة: انتظري حتى أنتهي ولا تتفوهي بكلمة قد تمنعك من الحصول على الوظيفة.

دليدا بتعالٍ: لا يهمني!، سأجد غيرها حتمًا، ولكن لا أقبل إهانتي بأي شكل كان.

تدخّل يوسف في الحديث حتى لا تسوء الأمور أكثر: رغم أنني لا أفهم طبيعة العمل هنا، ولكن هي جيدة، وممتلئة بالحماسة، وهذا كفيل بنجاحها، أرى أن تعطيها فرصة.

دليدا بسخرية: أشكرك على لطفك سيدي، ولكن لن أقبل العمل هنا قبل أن يعتذر الأستاذ فريد على إهانتي.

ضحك فريد بغلٍ من جرأتها، فنظر إليها وكانت هي ترمقه بتحدٍ، فقال فريد وهو يضغط على كلماته لكي يثير حنقها: لا أمانع، ولكن في الغد أريد امرأة، أنثى أمامي، وليس رجل. وقبل أن تعترضي، هذا شرطي الوحيد، فممنوع أي اعتراض، الإعلان محدد!

كتمت دليدا حنقها بداخلها، وحاولت أن تتمسك بهدوئها، فقالت: سيدي، لن أغير من طبيعتي وأرتدي أشياء لا أعتقد أنها ستناسبني من أجل عمل كُتب عليه النهاية قبل بدايته، ومع رجل أيضًا لا يناسبني. هنا سأقف وأعتذر ليس لك، ولكن لنفسي، لأنني جئت إلى مكان مثل هذا. وأقول ممنوع العمل هنا، ولتبحث عن امرأتك صاحبة الحظ التعس.

العجيب أن فريد قهقه ورمقها بإعجاب، ولكن هي التقطت حقيبتها بعصبية وهمّت بالمغادرة، فصاح يوسف: اجلسي يا آنسة، ففريد لا يقصد إهانتك أو مضايقتك.

دليدا: أشكرك على لطفك يا طبيب، ولكن أنا أصبحت متيقنة أن الوظيفة لا تناسبني.

فريد: سأنتظرك غدًا، جهزي نفسك لتقديم أولى حلقات البرنامج، وليكن الحظ حليفك. لا أمانع في إعطائك فرصة، فقد أثرتِ فضولي يا آنسة، ولنرَ بعد كل هذا التكبر الذي يملؤك، هل ستنجحين أم...

دليدا بعناد: أخبرتك أن الوظيفة لا تلائمني!

قاطعها فريد: هيا، لتنصرفي الآن، كفى ثرثرة.

امتقع وجه دليدا وكادت أن تتفوه بكلمات بذيئة، ولكن نهضت بعصبية وأوصدت الباب بقوة.

يوسف: كان الله في عون هذه الفتاة. أنا لو مكانها لذهبت دون رجعة، ولا أعتقد أنها ستأتي مرة أخرى.

فريد ضاحكًا: ستأتي يا مغفل، هي فقط تتظاهر باللامبالاة وعدم الاكتراث، ولكن هي تريد هذا العمل بأي شكل، فجميع النساء ممثلات بارعات، دومًا يظهرن عكس ما بداخلهن.

يوسف: ولكن هذه الفتاة رقيقة وجذابة. أعتقد أنها مختلفة، حتى لو أتت فسيكون من أجل رغبتها في عمل شيء تحبه.

أطلق فريد صفيرًا: أرى أن الفتاة قد أثارث إعجاب الطبيب.

يوسف وهو ينظر لساعته وقد تأخر على موعده: هي بالفعل راقت لي.

فريد: بالطبع راقت لك، رغم أنها عكرت مزاجي ولا أعتقد أنها مناسبة لكن، لولا تدخلك وإفسادك الأمر لقمت بطردها من أول لحظة.

يوسف: لا تلقِ عليّ الأمر!، الفتاة ذات شخصية قوية، ولولا إعجابك بها لما قمت بتعيينها. كفاك مرواغة فأنا أعرفك جيدًا.

فريد شاردًا: ربما لن أنكر، ولكن لو استمرت على وقاحتها سأتخلص منها على الفور، ممنوع أن يعكر أحد صفو حياتي.

عادت دليدا للمنزل وهي تكاد تلامس السحاب من فرط سعادتها. داعبت كلبها وأشعلت أغنية رقصت عليها كالمجنونة، وازداد الأمر حين بدأ سقوط المطر، فأشعل حماستها، فانطلقت للحديقة ونزعت سترتها لتتراقص وتقفز تحت المطر، وبدأ سقوط المطر يزداد، مما دفعها لأن تدخل المنزل وهي تتأمل الأمطار، وتفكر في هذا الرجل، فريد الذي سيكون عقبة في تحقيق حلمها وتحطيمه، فأنتابها الحزن وسارت نحو المرآة تتأمل شكلها، وهي مبتلة، فقالت لنفسها: "لا أعلم ما الغريب في مظهري؟"، رمقت حذاءَها الرجولي، ورابطة عنقها والقميص: "من الجائز أن يكون كلامه صحيحًا.. لا لا ليس صحيحًا، لا تحاولي أن تتغيري من أجل رجل مجنون لا يتمتع بأي أدب، أرعن مغرور، سألقنه درسًا لن ينساه"، قالت هذا وعلت الابتسامة وجهها وانتهت شحنة الغضب، فذهبت لتتناول شيئًا، وأن تنام مبكرًا للاستعداد للحرب في الغد.

في الصباح ارتدت بزة باللون الرمادي، ورابطة عنق سوداء، ولم تضع أي مساحيق، وانصرفت للعمل. حين رآها فريد على نفس الشكل عقد حاجبيه غاضبًا، فمالت فتاة ما على أذنه هامسة له بشيء ما، فضحك وهو ينظر لدليدا التي ارتبكت، فقد تيقنت أن هذه الفتاة تتهكم. قررت أن تتجاهل الأمر وتركز في العمل.

اقتربت منها الفتاة صائحة: "مرحبًا"، لم ترد دليدا، فواصلت الفتاة الحديث: "أعلم أنك المذيع.. أقصد المذيعة الجديدة، أنا راندا صديقة فريد".

رفعت دليدا عينيها لتنظر إليها، فقد كانت ترتدي ثوبًا أحمر قصيرًا للغاية، عاريًا بلا أكمام، وشعرها تصبغه باللون الأصفر، وتضع الكثير من المساحيق وطلاء الأظافر، وتنتعل حذاء بكعب عالٍ، فقالت بداخلها: "أنتِ إذا الأنثى التي يريدها هذا الأحمق!".

رحبت بها دليدا وصاحت متعمدة لكي يسمعها فريد: الآن أدركت لماذا رآني الأستاذ فريد كالرجال، فأنتِ بالفعل تتمتعين بكل مقومات الأنثى.

ابتسمت راندا بثقة وإعجاب بنفسها. أشاح فريد بوجهه متجاهلاً استفزازها له، وفي الوقت ذاته جاء يوسف فألقى التحية على فريد واتجه لدليدا مشجعًا لها، شعرت دليدا بالسعادة من اهتمامه بها.

- هواء.

بدأت دليدا أولى حلقاتها وهي تتهكم على الرجال، وقامت بشن حملة واسعة عليهم، وانهالت الاتصالات المدعمة من النساء المشبعات بجرح الرجال لهن. عقد فريد حاجبيه بغضب أما يوسف فقهقه قائلاً: مهما غضبت من كلامها لن تنكر أن الحلقة حققت نجاحًا، فنسبة المشاهدة حققت رقمًا قياسيًا!

راندا: هذا ليس نجاحًا، هذا فشل. كيف نحيا نحن النساء بدون الرجال؟!

والتصقت بفريد الذي أزاحها برفق، وأنصت لدليدا التي انتقلت للسخرية من كل شيء ممنوع.

فريد غاضبًا: هذه الفتاة بسببها سنصبح عاطلين عما قريب!

جلست دليدا بغرفتها حين سمعت طرقات على الباب، وقبل أن تعطي الإذن بالدخول دلف فريد كالصاروخ قائلاً باستنكار: لم تأتي لمكتبي لتسأليني عن رأيي في حلقتك؟!

دليدا بهدوء: أعرف رأيك جيدًا، فالحلقة لم تعجبك. أنت بالأخير رجل وليس بالرجل العادي بل رجل أرعن متكبر، ونظرتك للمرأة كجسد وليس كعقل. أنت لا تعترف بحقوق المرأة، وأنا مثلك لا أعترف بحقوق الرجال.

- أنصتي جيدًا يا فتاة، أنا لم آتِ إلى هنا لسماع محاضرتك هذه، أنت تعلمين جيدًا أنها لن تعجبني، فلماذا قمتِ بتقديمها؟

دليدا: سيدي، لا دخل لك بهذه الأمور، أنت فقط توبخني حين أفشل، ولكن الحلقة حققت نجاحًا مدويًا، وأحيت لك قناتك التي ماتت منذ أمد. وفي هذه اللحظة لا أريد أن يعكر أحد عليّ صفو نجاحي.

رمقها فريد بنظرة طويلة، وبعدها انصرف دون كلمة. لازمت راندا فريد، وكانت تراقبه وهو يشعل سيجارة تلو الأخرى، فهو غارق في التفكير لا يشعر بوجودها، وفجأة برقت عيناه وارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة، والتقط هاتفه ليهاتف يوسف ليطلب منه المجيء إليه فورًا، واعتذر لراندا بانشغاله التي انصرفت وهي تسب بداخلها دليدا التي عكرت مزاج فريد.

يوسف بعصبية: لا.. لا محال، أن أفعل ذلك؟! هل جننت؟! لن أقوم بتمثيل هذه المسرحية الرخيصة على دليدا فهي لا تستحق ذلك.

فريد متوسلاً: فقط لمدة شهر لكي تتأدب، فهي تثير حنقي وتدفعني للجنون. سوف أموت غيظًا إن لم تفعل.

يوسف: كيف أوهمها أني مولع بها وانا لا أكن إليها أي مشاعر سوى الاحترام؟! ضميري لا يسمح بذلك، هذه فتاة مسكينة.

فريد متهكمًا: مسكينة، لقد مسحت بنا نحن الرجال الأرض كأنها تعرفهم جميعًا، هي ليست بمسكينة، هي تستحق أن تعاقب وتهجر. خذ هذا رقم هاتفها لتكلمها وتدعوها على العشاء، ولا تقلق، سأكون معك خطوة بخطوة.

يوسف بيأس: أنا خائف من أن أفطر قلب الفتاة، ولكن سأحاول وليسامحني الله.

اتصل يوسف بدليدا، هنأها على نجاح حلقتها ودعاها للعشاء معه، رحبت دليدا بالأمر. وقفت دليدا أمام خزانتها محتارة ماذا سترتدي؟ حين سمعت جرس الباب ونباح الكلب، أصابتها دهشة عارمة: فريد.. أستاذ فريد! ما الذي جاء بك إلى هنا؟ وكيف علمت مكان سكني؟ هل هناك شيء يتعلق بالعمل؟

فريد دفع الباب ودلف دون أن يستأذنها، وفتح الثلاجة باحثًا عن شيء ما يشربه، فصب لنفسه كاسًا من العصير وجلس يتناوله. انتفض جسد دليدا من الغيظ من جرأة هذا الرجل. جلست وهي حانقة وتود أن تقوم بطرده، داعب فريد الكلب وانتظرت هي على مضض حتى ينتهي، ولكن لم يتفوه بحرف، فقالت مندفعة: سيدي!، إذا لم تخبرني عن سبب مجيئك فلتنصرف فلدي موعد.

فريد: جئت لنفتح صفحة جديدة معًا، صفحة صداقة. أريد صداقتك، فأنت حققتِ نجاحًا لا بأس به وتستحقين صداقتي.

شعرت فريدة بالفخر بنفسها، فهتفت: ولكن أنت أخبرتني من قبل أنك لا تصادق الرجال.

فريد: أعتذر عما بدر مني سابقًا.

دليدا: لا أمانع صداقتك سيدي، ولكن بشرط أن لا تتدخل في عملي.

فريد: لنشرب نخب الصداقة ونخرج معًا للعشاء.

دليدا: لا أستطيع، فلدي موعد على العشاء بعد قليل.

فريد وهو يرفع حاجبيه ويتظاهر بالدهشة: يا لحظي التعس! ويا لحظه السعيد!، هو رجل حتمًا من ستقابلينه أليس كذلك؟

دليدا بدهشة: بالفعل! كيف علمت؟

فريد: حدسي لا يخطئ أبدًا، ولكن يبدو أن هذا الرجل ليس بالرجل العادي، هل يعجبك؟

دليدا: قليلاً.

فريد: أخبريني ماذا سترتدين؟

غابت دليدا قليلاً وعادت مرتدية بنطالاً أسود فضفاض، وعليه قميص أزرق، وتنتعل حذاءً رجاليًا، وتعقف شعرها للخلف.

ضحك فريد رغمًا عنه، مما أثار غيظها.

فريد: عفوًا، لا أقصد، ولكن أنتِ أفهمتيني أنه ليس بالرجل العادي عندك، وأعتقد أنه لن يحب أن يرى زميله.. أقصد المرأة التي طلبها للعشاء ترتدي مثله.

بدا على فريدة الاقتناع بكلامه، فسألته: وما العمل؟

فريد وعيناه تلمع بالنصر: الأمر سهل، هيا لنذهب لمشوار قصير إذا لم تمانعي..!

دليدا: لا لن أمانع.

أخذها فريد لمحلات الملابس النسائية، وقد كانت معترضة، لكن بالأخير اشترت العديد من الفساتين والأحذية.

جلس فريد ينتظرها حين جاءت مرتدية ثوبًا أحمر طويلاً، وحذاءً بكعب عالٍ، وسألته ما رأيك؟

فريد: أنتِ وضعتِ طلاء شفاه أحمر؟!

دليدا بقلق: سيء! أنا قلت ذلك.

فريد: رائع! أنت رائعة!

ودار حولها، فسألته بقلق: ما الأمر؟

فريد: هناك شيء ما ناقص، لا أعلم... ها..

ومد كفه ونزع رابطة شعرها فانسدل شعرها. هتف فريد بدهشة: أنتِ فاتنة بحق!

حاولت دليدا أن تأخذ منه رابطة شعرها، وهي تهتف: هذا كثير، هذا ممنوع. سأغير ملابسي وأعتذر عن الموعد. لا أشعر بالراحة، أشعر أنني لست أنا وهذا ما لا أرغب فيه.

فريد ضاحكًا: ليس هناك شيء ممنوع، أنت أنثى وتتمتعين بكل صفات الأنثى، دون المبالغة في شيء. أطلقي العنان لطبيعتك، لماذا تمنعين أنوثتك من الانطلاق وتواريها خلف البزة؟!

دليدا: دومًا كان أبي يخبرني أن الحياة بمثابة معركة طويلة الأمد، ويجب أن أمتلك قلبًا ومظهر رجل لتحطيم كل ما هو ممنوع.

فريد: الأنثى يا عزيزتي أقوى وأشرس من الرجل، هي داهية.

دليدا وهي تنظر لساعتها: لكل منا معتقده.

فريد: حسنًا، هيا سأوصلك لكي لا تتأخري.

غلب دليدا النعاس فنامت، تأملها فريد بدهشة وأيقظها حين وصلوا. تظاهر فريد بالانصراف ووقف يراقبها من بعيد دون أن تراه. استقبلها يوسف بترحاب وأبدى إعجابه بجمالها: يا إلهي! أنتِ فاتنة، لماذا تخفين كل هذا الجمال؟!

ابتسمت دليدا وانشغلت فيما ستتناوله، وقضت الوقت تستمع ليوسف وهو يخبرها عن حياته واختياره للمجال الطبي، وأعجبت هي برصانته. طلب منها أن ترقص معه لكنها أخبرته أنها لا تجيد الرقص، وفي النهاية طلب منها أن ترافقه لحضور حفل غنائي في الغد، وهي لم تمانع.

وصلت دليدا للمنزل وكانت منهكة تريد النوم، لكن جرس الباب..!

- فريد!

اندفعت بغضب للمرة الثانية: هل تعلم كم الساعة؟ هذا كثير، أريد أن أنام وأرجو منك الانصراف.

دلف فريد للداخل وصب لنفسه كاس عصير، وأعد لنفسه شطيرة قائلاً: لا تتفوهي بحماقات فنحن أصدقاء.

ابتلعت دليدا لسانها، وصمتت رغمًا عنها، وظلت تتثاءب أغلب الوقت وهي تقص له ما حدث مع معجبها الخفي، وفريد لا ينصت إليها بل كان ساهمًا فيها.

- ها، ما رأيك؟ هل أذهب معه؟

- ها، تذهبين مع من؟

دليدا: مع المعجب الخفي للحفل الغنائي.

- وهل دعاكِ لحفل غنائي؟

دليدا: نعم، فريد بحنق: لا تفوتي الفرصة. وقال لنفسه: الوغد لم يخبرني.

دليدا: أتعلم أمرًا؟.. لقد طلب مني الرقص ولم أعرف.

فريد بدهشة: لا تعرفين أن ترقصي! الأمر بسيط، هيا..

قفز فريد وأدار أغنية، وجذب دليدا التي كانت معترضة بشدة، ولكن مع إصراره بدأت ترقص التانجو، وفي كل مرة تفشل تستغرق في الضحك، وبعد عدة ساعات أتقنت رقصة التانجو وسقطت منهكة على الأريكة، وراحت في سبات عميق. اقترب منها فريد يتأملها، ورغب بشدة في تقبيلها لكنه ابتعد ولام نفسه فقام بتغطيتها، وقبل أن ينصرف همس بأذنها ستتحولين لأنثى رغمًا عنكِ فليس هذا بالممنوع.

استمرت لقاءاتها بيوسف وازداد إعجاب يوسف بها يومًا بعد يوم.

فريد وهو يتناول القهوة ويشعل سيجارة: لقد لاحظت أن دليدا قد تغيرت كثيرًا، رغم أنها مازالت تشن حربًا على الرجال وكل شيء، أين ذهب سحرك أيها الوسيم لكي تعقلها؟

يوسف: هذه الفتاة رائعة، ولن أتلاعب بها، سأصارحها بحبي لها وأتقدم للزواج منها.

انتابت فريد نوبة من السعال وصاح غاضبًا: زواج!! هل أصابك الجنون؟ تتزوج من فتاة تعرفها منذ ثلاثة أسابيع فقط؟! أنت تخل بالاتفاق، لقد اتفقت معك أن تعطيها درسًا لكي تتأدب لكن حدث العكس، وقعت في غرامها!، لقد فشلت يا يوسف.

يوسف باستنكار: أي درس هذا؟! لن أجرح دليدا فهي لا تستحق، أنت لا تعرفها فهي رقيقة كنسمة الصباح، ولن تتحمل أي خداع ستنهار. دليدا فتاة رائعة بحق، ومن الجائز أن زواجي منها يحل مشكلتك معها. سأعرض عليها الزواج بعد رجوعكم من إيطاليا.

فريد بضيق: حسنًا، افعل ما تشاء. سأنتهي من العمل معها في إيطاليا وسوف أطردها من قناتي. أنا مللت ولم أعد أريدها، هنيئًا لك يا روميو.

صعدت دليدا الطائرة، وجلست بجوار فريد الذي كان غاضبًا صامتًا، مما دفعها لسؤاله: فريد، هل أنت على ما يرام؟

فريد: أنا بخير.

دليدا: ألا تود أن تعرف ما وصلت إليه الأمور مع المعجب الخفي؟

فريد بغلظة: لا، وأرجو منكِ أن تغلقي فمك، وتتوقفي عن الثرثرة بأمور لا تهمني.

وأشاح بوجهه بعيدًا. استغربت دليدا من فظاظته، فقالت لنفسها بصوت منخفض: لماذا الاستغراب؟ فهذا حاله دومًا.

فريد بغضب: كفى ثرثرة!، أعلم ما تقولينه.

صمتت دليدا وشغلت نفسها بقراءة إحدى المجلات. وصلا لفندق "ايدن روك" في مدينة "بوسيتانو"، وهو فندق ساحر يعود إلى عائلة "كاسولا" ويجمع ما بين الطراز التقليدي والطراز المعاصر، وغرفه مطلة على البحر. تم استقبالهم بترحاب، وكان في استقبال فريد فتاة إيطالية فاتنة، عانقها فريد وقبّلها من شفتيها، وصعد بها لغرفته تاركًا دليدا بمفردها، كأنها لم تكن موجودة. عقدت دليدا حاجبيها وكادت تبكي من غلظته معها، فهي هنا غريبة، لا تعرف أحدًا.. كيف يفعل بها هذا؟! فصاحت: "حيوان متوحش أرعن غبي!!"، وركلت الحقيبة بقدمها فتأوهت ألما.

قضت دليدا أول يومين في العمل والجلوس أمام البحر، ولم ترَ فريد مطلقًا، فقد انشغل بالفتيات الإيطاليات، وفي اليوم الثالث قررت أن تقوم بجولة شرائية، فاشترت العديد من الثياب، ارتدت منها فستانًا أزرق فضفاض، ووضعت طلاء شفاه، ولبست قرطًا زاهي الألوان، وتركت شعرها ينسدل، ونزلت لتتناول العشاء. كانت الموسيقى صاخبة، وانفعلت هي مع الموسيقى بحركات لا إرادية حتى لمحت فريد أمام البار ومعه فتاتان، رمقته بامتعاض وأشاحت بوجهها بعيدًا، فهي لا تريد إفساد ليلتها.

تحرك فريد نحوها، وجلس قبالتها: مرحبًا يا فتاة، يبدو أن جو إيطاليا الساحر أيقظ فيكِ روح المرأة الممنوعة، فقررتِ أخيرًا إطلاق سراحها، أم أن هذا تأثير المعجب الخفي؟ لم أعرفك حين رأيتك.

دليدا بلهجة حازمة: أستاذ فريد، عد من حيث أتيت. اذهب لفتياتك، فهم على شاكلتك، ولا تتدخل في أموري، كما أنا لا أتدخل في أمورك، فمنذ مجيئي هنا ألقيت عليّ كل العمل واختفيت وفررت لملذاتك رغم كونك تعلم جيدًا أنني لا أعرف أحدًا هنا، ورغم ذلك لم أتفوه بكلمة، فارجوك غادر من هنا.

رمقها فريد بنظرة جنونية، وصاح: لماذا لا تقولين أنني فررت لكي لا أقع أسير غرامك؟!، أنا أفر منك وليس من العمل.

ابتسمت دليدا رغما عنها: هل كل الفتيات التي تعرفهم بائعات هوى؟

فريد: لا فرق عندي بين هذه وتلك، أنا أبحث عن المتعة فقط، وليس الوقوع في الغرام، والآن لنرقص ونستمتع وكفى تحليلات ومشاجرات.

دليدا: لا أريد أن أرقص مع همجي مثلك، اتركني وشأني.

جذبها فريد رغمًا عنها وهي تصرخ بلا طائل. وقفت دليدا ولم تتحرك، فصاح فريد: هيا، أريني ما علمك أستاذك يا فتاة، أم أنتِ غبية لم تتعلمي شيئًا؟!

أدركت دليدا محاولته لاستفزازها، فبدأت ترقص التانجو، وشعرت بالنشوة والسعادة، وشعر فريد في كل مرة يضمها إليه برغبة جامحة في هذه الفتاة، وهذا ما حاول منعه، وفي لحظة ما نست دليدا كل ما تكنه لفريد من امتعاض وعانقته، وبادلته القبلات، وفجأة توقفت وقررت الانصراف.

تحرك فريد معها وكان صامتًا. ارتاد المصعد، وتصاعدت صوت أنفاسهما. ضغط فريد زر إيقاف المصعد، وجذب فريد دليدا إليه، وقبّلها. شعرت دليدا بدقات قلبه المتسارعة، لم تنطق حرفًا، فشعورها جارف نحو ذلك الرجل. تحرك فريد ضاغطًا زر تشغيل المصعد. ارتمت دليدا على الفراش، وهي تشعر بنشوة الحب الممنوع.

في الصباح كانت دليدا تسير على الشاطئ، فرأت فريد فنادت عليه، سار كليهما على الشاطئ قبل أن يحملها فريد، ويهدد بإلقائها في المياه الباردة وهي تترجاه أن لا يفعل. جلسا معًا، فقال فريد: أعتذر عما بدر مني بالأمس في المصعد، أعتقد أنني لا أعلم لماذا فعلت ذلك.

دليدا: يا إلهي!، الغرور طابعك لن تتغير.

فريد مبتسمًا: حسنًا، لن أنكر الأمر، ولن أقول ممنوع مثلك. أنا أحبك، ولا أعلم لماذا؟ أو متى حدث ذلك؟ ولكن هل تكنين للرجل الخفي الحب؟

دليدا: تقصد يوسف؟! لقد أخبرني بكل شيء عن مخططك من اللحظة الأولى، وقام بالتمثيل عليك أنه يحبني، لكي تتحرك مشاعرك نحوي. لقد قرر إعطاءَك أنت الدرس وليس أنا!، يوسف إنسان رائع.

اعتلى الغضب وجه فريد، وصاح: الملعون! تلاعب بي أنا صديقه وقلب الطاولة عليّ؟!، لقد دفعني للجنون والغيرة.

دليدا: أعتقد أنه نجح.

فريد: بجدارة، لدرجة أنني كنت لا أطيق رؤيتك أو سماع صوتك، وحاولت أن أهرب منك بفتيات أخريات، ولكن لا مفر من دليدا، والآن أخبريني ماذا عنك؟ هل تغيرت وجهة نظرك عن الرجال؟

دليدا: قليلاً يا عزيزي، ولكن هناك أمور لم ولن تتغير وجهة نظري فيها، سأستمر في تقديم برنامجي، ونصرة النساء والرجال، ونصرة كل من هو مظلوم، وتحطيم كل ما هو ممنوع، وما أكثر الممنوع في هذه الحياة!

فريد: لا يهم، افعلي ما تشائين.

وسارا معًا عازمين على نزع لاصقة "ممنوع"، فأصواتهم ستخترق الجدران لتصل للجميع، رافضين أن يكونوا مجرد صدى صوت لا يسمعه غيرهم.