الإثنين 25 مايو 2026 03:43 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

إيهاب محمد زايد يكتب : طموحات الكماشة بين طمع أثيوبيا و دعم إسرايل

الكاتب الكبير إيهاب محمد زايد
الكاتب الكبير إيهاب محمد زايد

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار الدبلوماسية العربية ومراكز القرار نحو التوترات المشتعلة في الشرق الأوسط، ثمة خطوط غير مرئية تُحاك في الكواليس لترسم ملامح خناق جيوسياسي يطوق وادي النيل. لم يعد الأمر مجرد مصادفات سياسية أو تقاطع عابر للمصالح، بل نحن أمام استراتيجية "الكماشة المتزامنة" التي تلتقي فيها طموحات أديس أبابا المائية والجغرافية مع الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية لإعادة ترتيب توازنات القوى في القارة الأفريقية والممرات المائية الحيوية.

لكي نفهم طبيعة هذا التهديد غير المعلن، علينا أولاً تفكيك مشهد "التزامن"؛ ففي ذات اللحظة التي تصر فيها إثيوبيا على فرض سياسة الأمر الواقع في ملف سد النهضة وعمليات الملء أحادية الجانب دون الاكتراث بالخطوط الحمراء للقاهرة، تحركت أديس أبابا لمد نفوذها نحو مياه البحر الأحمر الدافئة عبر الاتفاق المثير للجدل مع إقليم "أرض الصومال" الانفصالي للحصول على منفذ بحري وقاعدة عسكرية. هذا التحرك نحو خليج عدن وباب المندب لا يمكن قراءته بمعزل عن الدعم التقني والأمني والاستخباراتي الذي تقدمه تل أبيب لأديس أبابا منذ عقود، والذي شهد قفزات نوعية في السنوات الأخيرة.

العلاقة بين إثيوبيا وإسرائيل ليست وليدة اليوم، بل تمتد جذورها إلى عقود مضت تحت ما كان يُعرف في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بـ "استراتيجية المحيط" (Periphery Doctrine)، والتي تقوم على بناء تحالفات قوية مع دول الطوق غير العربية لإيجاد ثقل موازن لمصر والعالم العربي. اليوم، يتجدد هذا التحالف بصورة أكثر خطورة؛ حيث تلتقي الرغبة الإثيوبية في كسر طوق الدولة الحبيسة والتحكم في شريان الحياة لمصر (نهر النيل)، مع الرغبة الإسرائيلية في تأمين عمق استراتيجي في البحر الأحمر وتحجيم القدرة المصرية على فرض نفوذها التاريخي في القرن الأفريقي.

في ملف سد النهضة، لم يكن الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا يوماً مجرد تعاطف سياسي، بل تُرجم على الأرض في صورة أنظمة دفاع جوي متطورة نُشرت لحماية محيط السد، وتقنيات متقدمة في إدارة المياه والزراعة الدقيقة تساعد أديس أبابا على تعظيم الاستفادة من بحيرة السد وتبرير احتجاز المياه خلفه. هذا الدعم التكنولوجي يمنح إثيوبيا فائضاً من الثقة والجرأة في مواجهة الضغوط الدبلوماسية المصرية، ويجعلها تتحرك مدفوعة بظهير تقني يؤمن لها الخطوط الخلفية.

أما على جبهة البحر الأحمر، فإن التفاهمات غير المعلنة تأخذ أبعاداً أكثر عمقاً. إن محاولة إثيوبيا التمركز عسكرياً وبحرياً في منطقة باب المندب وخليج عدن تعني ببساطة إدخال لاعب جديد، قوي وبشري الكثافة (أكثر من 120 مليون نسمة)، إلى الممر المائي الذي يمثل شريان الحياة لقناة السويس المصرية. تل أبيب ترى في الوجود الإثيوبي على البحر الأحمر فرصة ذهبية لإعادة صياغة الأمن البحري للمنطقة، وتخفيف الضغط عن منافذها البحرية الجنوبية عبر وجود حليف استراتيجي يشاركها العداء أو التحفظ تجاه النفوذ العربي والمصري في تلك المياه الحيوية.

هذا التزامن الشديد بين الخنق المائي من الجنوب عبر النيل، والخنق الجيوسياسي والتجاري من الشرق عبر مياه البحر الأحمر، يمثل مناورة كماشة حقيقية تستهدف استنزاف أوراق القوة المصرية ودفع القاهرة للانشغال الدائم بحماية أمنها القومي الأساسي (الماء والحدود البحرية) على حساب دورها الإقليمي القيادي.

إن التهديد الحقيقي للقاهرة اليوم لا يأتي من مواجهة مباشرة أو معلنة، بل من هذا التناغم الصامت خلف الأبواب المغلقة؛ حيث تُباع وتُشترى الجغرافيا السياسية للقرن الأفريقي وحوض النيل في سوق التوازنات الجديدة، لتجد مصر نفسها أمام تحالف غير مكتوب، يملك فيه الطرف الأول (إثيوبيا) مفاتيح النهر، ويملك فيه الطرف الثاني (إسرائيل) مفاتيح التقنية والأمن، ويلتقي الاثنان عند نقطة واحدة: محاصرة النفوذ المصري وجعل القاهرة تدفع ثمن الحفاظ على بقائها يوماً بيوم.

إيهاب محمد زايد طموحات الكماشة بين طمع أثيوبيا و دعم إسرايل الجارديان المصرية