الإثنين 25 مايو 2026 08:33 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مصر اليوم

الإعلامى الكبير محمد جراح يكتب : الأمل الحائر في أسئلة تتدثر بالصمت...!

الجارديان المصرية

.. قراءة في ديوان (عطش الجسد) للشاعر أحمد عبد الفتاح ..

وكأنه كُتب على كثيرنا أن يكتب ويظل يجوِّد يسكنه الأمل في رجع صدى يُشعِره بذاتِه وبصدق صوره وتعبيراته؛ لكنه يتفاجئ مع كل انتظار بأن العائد يرتدي في عودته ثياب المغايرة، وينطق بشعر قد لا يفهمه كاتبه؛ وفي لحظة تمزج ذهولها باليأس نجد أن دور النشر تتهافت على المغاير غير المفهوم، بل وتسعى في طلبه الصحف الصفراء، ولأن الأصيل يظل أصيلاً، ولأن الذهب لا ينال منه التراب سنجد الشاعر المجيد عندما يحاول أن يجاري تلك الموجة العالية؛ ويمالئ سيل "العرم" يفشل لأنه لا يجيد إلا صياغة الجيد والبليغ الذي سيظل يطارده بأسئلته المتوالدة والمتكاثرة من بداية الديوان إلى نهايته، كما سنجد الشاعر في ذروة خصوصياته غير منفصل عن مجتمعه، وغير بعيد عمن يحيطون به؛ وفي اللحظات الدافئة سنراه مهموماً بغيره؛ وبطرح الأسئلة منتظراً إجابة تتأخر ولا تجيء؛ لكنه على الرغم من ذلك لا يفقد الأمل في قدومها مهما كان اليأس؛ ومهما بلغ كم القنوط الذي يسكنه!.

في إهدائه لديوانه "عطش الجسد" نجد شاعرنا أحمد عبد الفتاح يخاطب الواقفين على حدود الحلم، يدعوهم للثورة على السكون، ويطالبهم بألا يطيلوا الانتظار لأن المجد للعمل، ولكل من تشققت يداه وبات متعباً؛ ولا فرق في ذلك بين مجهد ومجهد في الدين والملل، هكذا دعانا الشاعر لندلف و نعمل بنصيحته، أن نعمل، وسيظل المجد للأمل حتى نهاية الأجل!.

تتعدد أسئلة الشاعر وتتكاثر منذ القصيدة الأولى، فهو ذلك الإنسان السائل بيقين الحلم المتفائل بأن القادم سوف يجئ؛ وسوف تتحقق فيه كل الأماني، وسيظل يسعى ويسعى ثم يعود فيسعى مثنى وثلاث ورباع دونما كلل حتى يمتشق سنبلة الخصب مثلما يمتشق الفارس حسامه؛ وسيفعل ذلك مهما كانت التضحيات ؛ومهما كان بوح دمائه!.

هو الأمل إذن الذي يسكن الجميع ذكوراً وإناثاً، مهما توالت السنون؛ وانطبعت على الوجوه ملامحها، فسوف يأتي "يوسف" في حلته إلى حبيبته؛ سيأتي سعيداً مختالاً بالأمل الذي يسكنه؛ سيأتيها وهي تمشط خصلتهاح ولن يأبه في قدومه بغيرها؛ ومن ثم لن يخشى مكرهن أولئك المتربصات من النسوة النازفات من شفرات أمواسهن الحادة.

يتمدد السؤال فيمضي في استفهامه: هل هذا الوجه الغض الناطق شوقاً يمكن أن يتعرف وجهي...، صوتي ؟!، السؤال قائم والإجابة تأتي من نافذة ضوء تشرع؛ وباقة ورد ندية؛ ونرجسة تحمل كل عطور الزهر.

لا يتوقف الشاعر عن السؤال لما يسأل : من أي أساطير الذكرى قد فاجأني عمر ولَّى حتى ليخيل إليه أنه يصحو في زمن غير زمانه؛ وبلاد غير بلاده؛ ويعود ليمضي وحيداً يسأل من يراه؛ ويخاطب من يلتقيه بحقيقة ما يسكنه من أنه قد صار وحيداً مثله لا يملك داراً أو نجماً يتدثر خوفه؛ محاولاً تبديل ما خلفته المواجع فوق الملامح، يجمع ما تشظى وتناثر من ذكريات فيمضي إلى الصمت؛ غير أنه وسط كل تلك الحيرة يفشل في الذهاب فيعود إلى وحدته متشحاً بالذبول، يحلم بنوم يريحه؛ لكن النوم لا يريحه حتى وإن أتى لأنه متى استيقظ أصابته حيرة مربكة، فكيف به ينام وفي رأسه ألف مسألة شائكة؟!.

يمضي الديوان؛ ويمضي بنا الشاعر أحمد عبد الفتاح؛ فنجده قد خرج من شرنقة ذاته إلى العالم يبحث في الميدان الواسع عن ذلك الوجه الذي يعرفه ويؤنسه؛ وسيظل يبحث عن بقايا أنفاس ضاعت في زمن الحزن؛ فيكتشف أن الزمان ليس زمانه؛ لأنه لم يتبق من حقبة الأولين سوى المرجفين في كل عقيدة وملة، وإذا كان الأمر هكذا هنا فهو كذلك هناك، فالبعض تلبس وجه المسيح، والبعض الآخر يتباكى لأجل الحسين، ولكل زمان مرجفوه، ولن يكون هو آخر ضحايا هؤلاء المرجفين.

في قصيدته "عطش الجسد" التي جعل عنوانها عنواناً للديوان كله يسأل الشاعر: هل يعيد الكلام زمناً مضى؟، فالليل بارد؛ والحلم يحتاج لرعشة قلب حتى يفور التنور الساكن ويعود الدفء في الأوردة والشفاه المتيبسة؛ ويتبدل الشوك شجراً وظلالاً؛ ويعود الحرام فيصير حلالا؛ وعندما يحدث ذلك فلن يلقي الشاعر محبرته؛ بل سيكمل القصة؛ ويناجي حبيبته ويطلب منها ألا تنزعج؛ فهو لا يحمل معه إلا رأساً مهموماً بضجيج العالم وخطاياه؛ وتظل المرأة هي الوطن مثلما كانت هي الناي والأغنية!.

وعلى الرغم من كل تلك الحيرة؛ والأسئلة المتكاثرة؛ فإن الشاعر يعرف الطريق نحو بيته؛ ويعرف الذين يعرفونه من لحظة الخروج وحتى الرجوع؛ فهو الشاعر المغامر الذي تعلقت حياته بالله وبالوطن.

لا يخلو الديوان ذي الأسئلة الكثيرة من تقديم إجابات في مواضعها؛ ربما ليقلل من حيرتنا؛ وليجلي لنا ما يمكن أن يكون قد التبس فهمه في أذهاننا ونحن نلهث وراء أسئلته نبحث مثله عن إجابات لما استعصى على البيان والتفسير.

كتب الشاعر عن ذاته؛ وكتب عن المرأة؛ ومثلما للوطن كتب عن أبيه؛ وعن كل شأن يشغله؛ لأنه في أشد لحظات خصوصياته لم يتخل عن حلمه؛ ولم تغادره أسئلته التي أراد بها أن يحول القبح إلى جمال، ومن هزيمة تسكن أمة العرب إلى نصر وغد يليق بهم بعد أن تداعت عليهم الأمم، فالحقيقة تائهة؛ والمجرم يتباكى فالكل تعرى في حلقات الذكر؛ وتركوا رب البيت ورب الغرب يحقق لهم ما اعتادوا من أدعية النصر الخارجة من الأفواه السكرى من رائحة نبيذ وحشيش ودخان .

وفي أطول قصائد الديوان التي تحمل عنوان أتيهة العرب يتساءل بتقرير ويقين: حدثني عن وطن لا تقرع فيه طبول الحرب؛ أو وطن لا يتآمر فيه أخوة يوسف؛ أو تهدر دماء هابيل من أجل السلطة، ليعود بنا إلى ترنيمة "إيزيس" حيث الأصالة فمن فلك طيبة تبزغ شمس الحقيقة فالروح إذ ترتقي للأعالي يولد من جفنها الصبح بعد المساء، وهي الهوية الجلية حتى وإن عاد ناصحاً: لا تتحيروا فهذا الذي مات مهموماً سيكتب في سجلات الوفاة مات الذي كان اسمه صالح واسم أبيه عام وينتهي الديوان بالإجابة بنعم وهي نعم نعم لمن أراد؛ ويظل الأمل قائماً، ونظل في انتظار صبح تكون فيه إجابات كل الأسئلة.

استمتعت بقراءة الديوان، وأردت في تلك العجالة أن تبني القصائد ومعانيها متن ما أعدت كتابته في هذه الإطلالة السريعة.