الإثنين 6 يوليو 2026 02:22 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاتة زكريا يكتب: عبقرية الاستمرار

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

التاريخ لا يتذكر من بدأ أولا بقدر ما يتذكر من استطاع أن يواصل الطريق. فالبدايات مهما كانت مبهرة تظل مجرد لحظة إذا لم تتحول إلى مسار أما الاستمرار فهو الامتحان الحقيقي لكل فكرة ولكل مشروع ولكل أمة أرادت أن تحجز لنفسها مكانا بين الأمم.. ليس من الصعب أن تحقق نجاحا عابرا أو أن تثير انتباه العالم بإنجاز مفاجئ لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في أن تجعل النجاح عادة وأن يصبح الإنجاز ثقافة وأن تتحول القدرة على التقدم إلى جزء من هوية الدولة والمجتمع. هنا تبدأ عبقرية الاستمرار.

لقد أغرت اللحظة كثيرين عبر التاريخ. ظنوا أن الانتصار الأول يكفي وأن الوصول إلى القمة نهاية الرحلة فإذا بالقمة نفسها تتحول إلى بداية اختبار أكثر صعوبة. فالحفاظ على المكانة أصعب من الوصول إليها لأن الوصول قد تصنعه الحماسة أما البقاء فلا يصنعه إلا الانضباط والرؤية والعمل المتواصل...ولهذا لم يكن غريبا أن تختفي إمبراطوريات امتلكت القوة وأن تتراجع اقتصادات كانت يوما في الصدارة وأن تتوارى مؤسسات كانت تبدو عصية على المنافسة. لم تسقط لأنها افتقدت القدرة على البداية بل لأنها فقدت القدرة على التجدد وظنت أن ما صنع نجاح الأمس يكفي لصناعة نجاح الغد.. إن الزمن لا يمنح أحدا امتيازا دائما. فالعالم يتحرك بسرعة لا ترحم المترددين ولا يجامل من يكتفي بما حققه. وكل إنجاز لا يجد من يطوره يبدأ في التراجع حتى وإن بدا ثابتا لبعض الوقت. فالركود لا يأتي دائما في صورة انهيار مفاجئ بل قد يبدأ في هيئة رضا مفرط عن الذات أو اعتقاد بأن ما تحقق يكفي.. ومن هنا فإن عبقرية الاستمرار ليست في تكرار ما اعتدناه بل في امتلاك الشجاعة لتجديده. فالدول الناجحة لا تعيش على أمجادها وإنما تبني كل مرحلة على ما سبقها وتتعامل مع كل إنجاز باعتباره نقطة انطلاق لا نقطة وصول. إنها تدرك أن الزمن لا يكافئ من يقف حتى لو وقف فوق قمة عالية...ولعل هذا ما يفسر سر تفوق الأمم التي استطاعت أن تحافظ على مكانتها لعقود طويلة. فقد جعلت من التطوير أسلوب حياة ومن المراجعة ثقافة ومن التعلم المستمر سياسة عامة. لم تخش الاعتراف بأخطائها ولم تعتبر تصحيح المسار انتقاصا من نجاحها بل رأت فيه ضمانة لاستمراره...وفي عالم الاقتصاد لا تنمو الشركات الكبرى لأنها حققت أرباحا في عام واحد بل لأنها تعرف كيف تتكيف مع المتغيرات وتستبق احتياجات الأسواق وتعيد تعريف نفسها كلما تغيرت الظروف. والأمر ذاته ينطبق على الدول فالاقتصاد القوي ليس ذلك الذي يحقق أرقاما جيدة في مرحلة وإنما الذي يمتلك من المرونة ما يجعله قادرا على مواجهة الأزمات دون أن يفقد اتجاهه.. والسياسة أيضا لا تختلف كثيرا. فالدولة التي تريد حضورا مؤثرا لا يكفيها أن تحقق نجاحًا دبلوماسيا هنا أو اتفاقا اقتصاديا هناك وإنما تحتاج إلى بناء ثقة طويلة الأمد وإلى مؤسسات تعمل باستقرار وإلى رؤية تتجاوز عمر الحكومات والأشخاص. فالدول تقاس بما تستطيع المحافظة عليه لا بما تستطيع تحقيقه مرة واحدة...ويبقى الإنسان هو جوهر هذه المعادلة. فالاستمرار لا تصنعه المباني مهما ارتفعت ولا المشروعات مهما عظمت بل يصنعه العقل الذي يدير والضمير الذي يعمل والإرادة التي لا تستسلم عند أول عقبة. وكل أمة تنجح في بناء الإنسان تكون قد وضعت الأساس الحقيقي لاستمرار إنجازاتها...ومن هنا تأتي أهمية الوعي. فالوعي هو الذي يحمي المجتمعات من الانبهار بالنجاحات المؤقتة ويدفعها إلى السؤال الدائم: ماذا بعد؟ كيف نحافظ على ما تحقق؟ وكيف نطوره؟ فالأمم الحية لا تحتفل بالماضي بقدر ما تستعد للمستقبل ولا تجعل الإنجاز مناسبة للراحة بل دافعا لبذل جهد أكبر...إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن يظن أن الزمن سيتوقف احتراما لما أنجزه. فالزمن لا يعرف المجاملة والمنافسة لا تعترف بالذكريات والعالم لا ينتظر من يبطئ خطواته. ولذلك فإن القدرة على الاستمرار أصبحت اليوم أعظم من القدرة على الانطلاق لأن الانطلاق قد يصنعه الحماس أما الاستمرار فلا يصنعه إلا الإيمان بالمشروع والانضباط في التنفيذ والاستعداد الدائم للتطوير.
وليس من قبيل المصادفة أن أكثر الكلمات حضورا في تجارب النجاح الكبرى هي: التعلم، والمراجعة، والتجديد والانضباط. فهي ليست شعارات بل أدوات تحمي الإنجاز من التآكل وتحول النجاح من لحظة إلى مسيرة ومن حدث إلى تاريخ...إن عبقرية الاستمرار ليست موهبة فطرية بل خيار واع. إنها قرار بأن يظل العمل أقوى من الضجيج وأن تبقى الرؤية أسبق من ردود الأفعال وأن يكون المستقبل حاضرا في كل قرار نتخذه اليوم. وهي قبل ذلك كله إيمان بأن البناء الحقيقي لا يقاس بسرعة البداية وإنما بقدرته على البقاء والنمو...وفي النهاية لا يكتب التاريخ أسماء الذين أضاءوا المشهد للحظة ثم اختفوا بقدر ما يحتفي بمن حافظوا على شعلة الإنجاز متقدة جيلا بعد جيل. فالحضارات لا تقوم على البدايات وحدها وإنما على القدرة النادرة على أن تواصل المسير وأن تتجدد دون أن تفقد هويتها وأن تثبت للعالم أن أعظم أشكال القوة ليست في الوصول إلى القمة... بل في امتلاك الحكمة والإرادة للبقاء فوقها.

شحاتة زكريا عبقرية الاستمرار الجارديان المصريه