الخميس 9 يوليو 2026 12:02 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب: تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (13) .

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

تخيل معى المشهد التالى : رجلا عربيا مرموقا يمشى في صحراء مكة ، يقتطع
حجرا على كاهله في ظل حرارة الشمس الحارقة ، ويذهب بها إلى متجر متواضع لينحت له منها آلها ليعبده في خضوع ، وخشوع ! بل يستغيث به إذا نزلت به نازلة ،ويطلب منه البركة ، والقوة ! فهذا ما كان يحدث تماما قبل الإسلام ! إنهاحقا لمآساة تدمى القلوب ، وتدمع العيون ، وتحزن الرسول ﷺ فلم يرض لقومه ذلك التخلف ، وتلك الجهالة ، وقرر أن ينهى على تلك الظاهرة حتى تختفى ، وتلفظ أنفاسها الأخيرة ،ثم يكبّر عليها أربع تكبيرات ، ولكن هذه المهمة ليست باليسيرة ، وإنهم لن يقتنعوابسهولة ، بل سيحاربوه بكل ما أوتوا من قوة ،ولكنه ﷺ صمم أن يخوض هذه المعركة حبا لأمته ، وغيرته عليهم ، إنه ﷺ لم يفعل كما يفعل المتهوّرون ممن يدّعون التقى ، والورع ،فيسبّهم ، ولم يقم ﷺ بتكسير آلهتهم ، ولم يحرقها ، ولكنه ﷺ شخص متحضر ، وراق ، فقد خاطبهم بأسلوب عصرى هادئ ، ليحرّك عقولهم ، ويشحذ مشاعرهم ، وساق لهم الأدلة المنطقية ، والحجج العقلية التي لا لبث فيها ، ولا شك لينتشلهم من براثن الجهل ،ويثبت خطأهم الفادح بعبادتهم لهذه الحجارة الصمّاء ، التي لا تنفع نفسها ،
، ولن تضر غيرها ، كما أنها لم تأمركم بذلك مطلقا ! وهى عاجزة تماما عن أن تخلقهم ، أو تهب لهم الحياة ، أو تسلبها منهم ! ثم تلى ﷺ قول ربه ، وخالقه ، فقال "وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يخلقون شيئا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ولَا يَمۡلِكُونَ
لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورا" كلام منطقىّ لا شك فيه ، ولا مناص ، ولكنهم في واد آخر ، فرموه بالجنون ، والكذب ، وغيرها من الاتهامات ، وكأن لسان حالهم يقول : لو أن الكلاب تركت نباحها ، والحمير تركت نهيقها ، ما تركنا آلهتنا هذه ! و كان الأجدر لهم ، والأولى أن يؤمنوا به ﷺ ، أو يلقوا الحجة بالحجة ! ولكنهم عاجزون عن ذلك ،وتلك ! ولم يقف الأمر على ذلك ، بل كانوا يتعجبون حين قال لهم ﷺ "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" ويعتقدون أنه كلام غريب ، وشاذ ، ولم يسمعوه من قبل ، وما هو إلا كذب ، وافتراء ، صوّر الله ذلك المشهد ، فقال "أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَاب" حتى أن قال "مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا في الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاق" ، بل كان هناك رجلا يتَّبعه ويرميه بالحجارة ، ويقول "يا أيُّها النَّاسُ لا تُطيعوه فإنَّهُ كذَّابٌ" يا ترى من هذا الرجل ؟ إنه عمه "عَبد العُزَّى "أبو لَهب" ! نعم إنها لمصيبة كبرى أن يقف العم حجر عثرة أمام منهج ينير لهم الطريق ، ويرشدهم نحو التحضر ، والرقىّ ، والأولى له أن يؤمن به ، أو يمنع الناس عن إيذاء ابن أخيه ! ولكنه لم يفعل ذلك ، بل تركه لهم ، وعاونهم على إيذائه ﷺ ! وبالرغم من ذلك كله لم يثن الرسول ﷺ عن آداء مهمته ، وحرصه عليهم ، ولم ييأس ، وظل ﷺ يقابل ذلك العنت بخلق كريم ، ومنطق رشيد ، وحكمة بالغة ، بل راعى ﷺ قدرتهم العقلية ، وفصاحتهم اللغوية ، وبيئتهم الصحراوية ، ليكون مدخلا لإقناعهم
نحو الطريق المستقيم ، فقرأ ﷺ عليهم قول ربه ، فقال "آللَّهُ خَيْرٌ أمَّا يُشْرِكُون * أمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا به حدَائِقَ ذَاتَ بهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُون * أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُون * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُون * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُون" وبدأ البعض منهم يفهم تلكم الحقائق الواضحة كوضوح الشمس ، فأزالوا الغشاوة عن أعينهم ، والقطيفة من آذانهم ، وتفكك الجمود السرطانى عن عقولهم ، ورجعوا إلى رشدهم ، فآمنوا برسالته العظيمة ، بل كلما مرّ يوم ازداد عددهم ، حتى تلاشت ، واختفت هذه الظاهرة السلبية تماما ، وحصلت الجزيرة العربية على أعلى شهادات الفخر ، والعزة ، وارتقت ، وتقدمت في شتى الميادين ، ونجح الرسول ﷺ في تلكم المهمة الشاقة ، بل ظل ﷺ على هذا المنوال حتى آخر زفير من حياته المباركة .. نعم .. إنها لعظمة منهج ، وعظمة رسول .

زكريا سليمان تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (13) الجارديان المصريه