ضاحى عمار يكتب : مصر لا تعرف الفتنة
لم تكن مصر يومًا وطنًا قابلًا للقسمة بين مسلم ومسيحي ولن تكون لأن هذا البلد لم تُبنَ روحه على الطوائف بل على فكرة الوطن الواحد الذي تعمد عبر قرون طويلة بالمحبة والتعايش والمصير المشترك. من يعرف مصر جيدًا يدرك أن اللعب على وتر الفتنة هو رهان خاسر لأن المصريين بطبيعتهم يسبقون السياسة في حماية وحدتهم الوطنية ويملكون من الوعي الفطري ما يكفي لإسقاط أي محاولة لزرع الكراهية أو بث الشقاق بين أبناء الشعب الواحد.
في الشارع المصري لا يسأل الجار عن ديانة جاره قبل أن يفتح له بابه ولا يتوقف العامل أو الموظف أو الطالب أمام اسم أو عقيدة بقدر ما ينظر إلى الإنسان الذي يقف بجواره. المصريون يعيشون داخل تفاصيل بعضهم البعض بصورة لا يمكن فصلها أو تفكيكها مهما حاولت بعض الأصوات إثارة الغبار حول هذا المشهد التاريخي النادر. في البيت الواحد تجد المسلم والمسيحي يتقاسمان الخبز والفرح والحزن وفي الأعياد تتداخل التهاني حتى يصبح الوطن نفسه عيدًا مفتوحًا للمحبة.
ولهذا تبدو أي محاولة للحديث عن إمكانية كراهية المصريين لبعضهم وكأنها قراءة بعيدة تمامًا عن طبيعة هذا الشعب الذي صهرته المعارك والأزمات والانتصارات في بوتقة وطنية واحدة. فحين سالت الدماء على أرض سيناء في حرب أكتوبر وحرب الاستنزاف لم يكن أحد يسأل إن كان الشهيد مسلمًا أو مسيحيًا لأن الدم الذي امتزج في الرمال كان يحمل اسم مصر فقط. الجنود الذين وقفوا في الخنادق لم يقاتلوا دفاعًا عن طائفة بل عن وطن يعرفون جيدًا أنه لا يعيش إلا بجناحيه معًا.
مصر ليست دولة تعيش حالة تعايش مؤقت بين مكونين مختلفين بل وطن تشكلت هويته الحقيقية من وحدة شعبه عبر آلاف السنين. ولذلك فإن الحديث عن إمكانية محو أي طرف أو إقصائه لا يمثل فقط خطأ سياسيًا بل يصطدم بجدار صلب اسمه الوعي المصري. هذا الشعب قد يختلف سياسيًا وقد يغضب اقتصاديًا وقد يشتبك حول قضايا كثيرة لكنه لا يسمح أبدًا بالمساس بوحدة وطنه أو تحويل الدين إلى أداة للصراع الداخلي.
الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في الكلمات المباشرة بل في الرسائل التي تحمل بين سطورها إيحاءات تفتح أبواب الشك والاحتقان. فالأوطان لا تُهزم فقط بالحروب العسكرية بل يمكن استنزافها بمحاولات ضرب الثقة بين أبنائها. ومن هنا يصبح واجب الكلمة أكبر من مجرد التعبير عن الرأي لأن الإعلامي أو الكاتب لا يخاطب فراغًا بل يتعامل مع مجتمع يحتاج دائمًا إلى خطاب يرسخ التماسك لا أن يعبث بمشاعر الناس أو يدفعهم إلى مناطق القلق والانقسام.
ولذلك فإن مصر اليوم لا تحتاج إلى من يذكرها بأنها نسيج واحد لأن هذا الأمر محفور بالفعل في وجدان ملايين المصريين الذين تربوا على صوت الكنيسة إلى جوار الأذان وعلى موائد تجمع الجميع دون حساسيات أو حواجز. فالقوة الحقيقية لهذا الوطن لم تكن يومًا في السلاح وحده بل في تلك الروح التي جعلت المصري يشعر أن شقيقه في الوطن هو امتداد طبيعي له مهما اختلفت العقيدة أو الاسم.
التاريخ نفسه يرفض كل محاولات العبث بهذه الحقيقة. فمنذ ثورة 1919 والهلال يحتضن الصليب كعنوان لمعنى الدولة الوطنية الحديثة وحتى اليوم لا تزال مصر قادرة على إسقاط كل محاولات الاستقطاب لأنها ببساطة تعرف نفسها جيدًا. هي دولة لا تقاس بعدد سكانها فقط بل بقدرتها الدائمة على حماية روحها من التآكل.
ولهذا فإن أي خطاب يقترب من فكرة الفرز الطائفي أو يلمح إلى احتمالات الكراهية بين أبناء الوطن الواحد لن يجد مكانًا حقيقيًا داخل الشارع المصري لأن المصريين تجاوزوا هذه الحسابات منذ زمن طويل. هم يعرفون أن بقاء الوطن أقوى من أي خلاف وأن مصر التي حمت الجميع عبر تاريخها لا يمكن أن تتحول إلى ساحة صراع بين أبنائها.
ستظل الكنائس والمساجد شاهدة على وطن واحد وستظل الأعياد مساحة للفرح المشترك وسيبقى المصريون كما كانوا دائمًا جدارًا واحدًا في مواجهة كل من يحاول العبث بهذه الأرض أو اللعب على أوتار الفتنة لأن مصر ببساطة أكبر من كل محاولات التفكيك وأقوى من كل الأصوات التي تراهن على الانقسام.












إصابة 30 شخصًا في حادث تصادم أتوبيسين بطريق منفذ أرقين - أبو...
حبس المتهم بالتعدى على شخص بسلاح أبيض فى المرج 4 أيام على...
محكمة الجنح تؤيد حبس متهمين فى قضية ”خناقة كمبوند الفردوس” سنة و6...
حبس حبيبة رضا 6 أشهر بتهمة نشر فيديوهات خادشة
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل