الأربعاء 8 يوليو 2026 06:36 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حكايات مصيرية

​الكاتب الصحفي الحسيني عبدالله يكتب : المتعة الكروية والقيمة السوقية

الكاتب الكبير الحسيني عبدالله
الكاتب الكبير الحسيني عبدالله

​لم تعد بطولة كأس العالم مجرد تجمّع رياضي يتنافس فيه 22 لاعبًا على ركل قطعة من الجلد؛ بل تحولت إلى واحدة من أضخم الصناعات الاستثمارية والترفيهية على وجه الأرض. وفي النسخة الحالية من المونديال، تجلى هذا التحول بشكل غير مسبوق، حيث لم تعد السيطرة الفنية داخل الملعب هي العامل الوحيد لنجاح أو بقاء المنتخبات؛ بل أصبحت الأبعاد التسويقية والمالية تفرض كلمتها العليا، لدرجة دفعت البعض إلى التساؤل: هل تخرج منتخبات عالمية أو تُقصى بشكل غير مباشر لـ "أسباب تسويقية"؟
​الاقتصاد يقود الشغف: المونديال في ثوبه الاستثماري الجديد
​تاريخياً، شهدت بطولات كأس العالم خروج منتخبات كبرى ذات ثقل تسويقي وجماهيري مرعب (مثل غياب إيطاليا، أو الخروج المبكر للبرازيل وألمانيا في نسخ سابقة). هذا الخروج لا يمثل صدمة للجماهير فحسب، بل يضرب الخطط التسويقية لـ "الفيفا" والشركات الراعية في مقتل؛ فالقيمة السوقية لمنتخبات مثل الأرجنتين أو البرازيل أو فرنسا، وما تحمله من نجوم "الميجا ستاردوم" مثل مبابي أو ميسي وفينيسيوس، هي المحرك الأساسي لبيع حقوق البث التلفزيوني ومبيعات القمصان.
​من هنا، بدأ الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) يعيد هندسة البطولة تسويقياً لحماية مصالحه المالية من "مفاجآت الملعب"؛ وكان القرار الأبرز هو توسيع البطولة إلى 48 منتخباً. هذا التوسيع يضمن تقليص احتمالات غياب القوى التسويقية الكبرى عالمياً (في أوروبا وأمريكا الجنوبية)، ويفتح أسواقاً عملاقة جديدة كانت تغيب أحياناً عن المشهد، مما يضمن تدفقاً مستمراً للأموال بغض النظر عن هوية من يرفع الكأس في النهاية.
​صراع العمالقة والتسويق: موقعة مصر والأرجنتين نموذجاً
​تجلت بوضوح حسابات الـ "بيزنس" والتسويق في المواجهة المثيرة والجدلية التي جمعت بين المنتخب المصري ونظيره الأرجنتيني في هذه النسخة. فمن الناحية الفنية، قدم الفراعنة أداءً بطولياً استحق الاحترام، إلا أن حسابات كواليس "الفيفا" والشركات الراعية كانت تخشى سيناريو خروج الأرجنتين مبكراً؛ فالمنتخب الأرجنتيني يحمل إرثاً تسويقياً هائلاً، وبقاء "التانجو" يضمن استمرار تدفق الجماهير اللاتينية ذات القدرة الشرائية العالية، بجانب الحفاظ على القيمة الإعلانية لنجومهم في الأدوار المتقدمة.
​على الجانب الآخر، يمتلك المنتخب المصري قوة تسويقية كبرى في الشرق الأوسط وإفريقيا بقيادة نجمه العالمي محمد صلاح، الذي يمثل علامة تجارية عالمية تجذب ملايين المشاهدين والمستثمرين العرب. إلا أن الموازنة التسويقية العالمية في اللحظات الحرجة تَميل عادةً نحو القوى التقليدية (مثل الأرجنتين) التي تمتلك انتشاراً أوسع عبر المحيطات وسوقاً أضخم في الأمريكتين وأوروبا. خروج مصر أمام الأرجنتين، رغم الأداء القوي، عكس كيف أن القرارات التحكيمية الدقيقة والضغوط التنظيمية غير المباشرة تسير أحياناً في اتجاه "السيناريو التسويقي الأضمن" للبطولة، لضمان عدم غياب أحد أهم أعمدة المشاهدة والرعاية عالمياً في الأدوار الإقصائية الحرجة.
​الفاتورة والربح: لغة الأرقام في المونديال الحالي
​تعكس الميزانيات المخصصة للنسخة الحالية من كأس العالم حجم القفزة الاقتصادية المرعبة في عالم الرياضة، وفيما يلي تفصيل التكلفة والعوائد المحققة:
​أولاً: تكلفة كأس العالم الحالية
​على العكس من النسخ السابقة التي تطلبت بناء بنية تحتية وملاعب من الصفر، اعتمدت النسخة الحالية المقامة في الولايات المتحدة، كندا، والمكسيك على ملاعب جاهزة ومتطورة بالفعل (ملاعب الـ NFL والـ MLS). ومع ذلك، فإن التكلفة التشغيلية والتنظيمية ضخمة:
​الميزانية التشغيلية المباشرة للفيفا: تُقدر بنحو 3.8 مليار دولار أمريكي، وهي تشمل الجوائز المالية للمنتخبات، وتكاليف الإنتاج التلفزيوني، واللوجستيات، وإدارة العمليات في 16 مدينة مضيفة.
​تكاليف المدن المضيفة: أنفقت المدن المحلية مبالغ تتراوح بين 100 إلى 200 مليون دولار لكل مدينة لتغطية الأمور الأمنية، والنقل، والفعاليات الجماهيرية.
​ثانياً: العوائد المالية القياسية (حتى الآن)
​تحقق هذه النسخة الأرقام الأعلى في تاريخ كرة القدم، حيث يتوقع الفيفا أن تصل إيرادات الدورة التجارية الحالية إلى 13 مليار دولار، منها ما يقارب 8.9 مليار دولار مباشرة من بطولة كأس العالم الحالية وحده.
​موزعة على النحو التالي:
​حقوق البث التلفزيوني: الحصة الأكبر من الإيرادات نظراً للتنافس الشرس بين الشبكات العالمية.
​مبيعات التذاكر والاستضافة: تدفقات نقدية ضخمة أنعشت اقتصاد المدن الـ 16 المستضيفة عبر الفنادق والسياحة.
​عقود الرعاية والشراكات: قفزة نوعية في مبيعات حقوق الإعلان للشركات العابرة للقارات.
​مبيعات المستلزمات الرياضية: مبيعات قياسية لقمصان المنتخبات المشاركة وشعارات المونديال.
​تأثير خروج الكبار على الشركات الراعية
​عندما يغادر منتخب ذو وزن ثقيل البطولة مبكراً، تبدأ الخسائر غير المباشرة في الظهور:
​انخفاض نسب المشاهدة: شركات البث العالمية التي دفعت مليارات الدولارات تواجه تراجعاً حاداً في نسب المشاهدة التلفزيونية في البلدان التي خرجت منتخباتها.
​ركود سوق الإعلانات: تنخفض قيمة الإعلانات خلال الفواصل الزمنية للمباريات المتبقية، حيث تفقد الشركات حماسها لعرض منتجاتها أمام جمهور فقد الشغف بخروج فريقه الوطني.
​مبيعات قمصان المنتخبات: شركات المستلزمات الرياضية العملاقة التي تتنافس على رعاية المنتخبات، تصاب بخيبة أمل تسويقية كبرى وتتكدس بضاعتها في المخازن بمجرد خروج ركائزها التسويقية من الأدوار الأولى.
​وهنا لا بد من الاعتراف: إن كرة القدم الحديثة لم تعد تعترف بالمصادفة؛ وإذا كانت الساحرة المستديرة تُدار بـ 90 دقيقة من الجهد البدني داخل الملعب، فإن ما يدور خلف الكواليس في غرف الاجتماعات المغلقة ولجان التسويق بالفيفا يزن مليارات الدولارات، مما يجعل الحفاظ على "الهوامير التسويقية" في البطولة لأطول فترة ممكنة، مصلحة اقتصادية عليا تتجاوز أحياناً حدود الروح الرياضية.

حكايات مصيرية الحسيني عبدالله المتعة الكروية والقيمة السوقية الجارديان المصريه