الأحد 24 مايو 2026 04:47 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : موسم فرم البشر

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

في كل عصرٍ من العصور، كانت الحروب تُخاض بالسلاح، وكانت الجيوش تتحرك فوق الأرض، وكانت أصوات المدافع تعلن بداية الخراب. أما اليوم، فقد تغيّر كل شيء. لم تعد المعارك دائمًا بحاجة إلى دبابات وطائرات، بل أصبح الإنسان نفسه هو ساحة الحرب الكبرى، وأصبح العقل والروح والأعصاب أهدافًا تُستنزف ببطءٍ شديد، حتى دون أن يشعر صاحبها بأنه يُهزم كل يوم.
لقد دخل العالم ما يمكن تسميته بـ “موسم فرم البشر”، ذلك الموسم الذي لا يرتبط بفصلٍ من فصول السنة، بل يمتد طوال الوقت، حيث تتحول الإنسانية إلى ماكينة ضخمة تلتهم أعمار الناس وأحلامهم وطاقاتهم بلا رحمة.
في هذا الموسم القاسي، لم يعد الإنسان يُقاس بما يملك من أخلاق أو مبادئ أو مشاعر، بل بما يستطيع إنتاجه قبل أن يسقط منهكًا. أصبح كثيرون يركضون بلا هدف واضح، يلهثون خلف لقمة العيش، أو خلف وهم النجاة، أو خلف مكان صغير في عالم مزدحم لا يعترف بالضعفاء.
ملايين البشر يستيقظون كل صباح وهم يحملون فوق أكتافهم جبالًا من القلق والخوف والضغوط النفسية. خوف من الغد، خوف من الفقر، خوف من المرض، خوف من الوحدة، خوف من السقوط المفاجئ في عالم لا يرحم المتعثرين. وكأن البشرية كلها دخلت في سباق طويل، لكن دون خط نهاية واضح.
ولأن “فرم البشر” لا يحتاج دائمًا إلى السلاح، فقد ظهرت له أدوات جديدة أكثر هدوءًا وأشد فتكًا. هناك إعلام يصنع الرعب أحيانًا، واقتصاد يضغط على الأعصاب، وسوشيال ميديا تسرق الطمأنينة من القلوب، وموجات متلاحقة من الأخبار الكئيبة التي تجعل الإنسان يشعر وكأنه يعيش داخل عاصفة لا تهدأ.
أصبح الإنسان المعاصر مُحاصرًا من كل الجهات. إن تحدث، حوسب. وإن صمت، اختنق. وإن حاول الهروب إلى عزلته، طاردته الحياة بأثقالها. حتى العلاقات الإنسانية نفسها أصابها التعب؛ فصار الناس يبتسمون كثيرًا في الصور، لكنهم يبكون طويلًا في الداخل.
وفي خضم هذا المشهد، تظهر قوى كثيرة تستفيد من إنهاك البشر. فكلما كان الإنسان مرهقًا وخائفًا ومشتتًا، أصبح أقل قدرة على التفكير، وأضعف في اتخاذ القرار، وأكثر قابلية للانقياد خلف أي صوت يمنحه شعورًا مؤقتًا بالأمان.
ولعل أخطر ما في هذا الموسم أنه لا يقتل الجسد فقط، بل يطحن الروح أيضًا. فكم من إنسان ما زال حيًا يتحرك بين الناس، لكنه فقد شغفه، وفقد ثقته، وفقد إحساسه بالحياة. أصبح يؤدي أيامه كواجب ثقيل لا أكثر.
إن “موسم فرم البشر” لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين شرق وغرب، ولا بين شعب وآخر. فالعالم كله بات يعيش حالة استنزاف ضخمة، وكأن البشرية تُدفع دفعًا نحو التعب الجماعي، حتى أصبح الهدوء رفاهية، وأصبح الاطمئنان حلمًا نادرًا.
ومع ذلك، يبقى الأمل هو السلاح الأخير الذي لم تستطع هذه الآلة الجبارة أن تسحقه بالكامل. فما دام هناك إنسان يتمسك بإنسانيته، ويحاول أن ينجو بروحه من هذا الطحن المستمر، فإن المعركة لم تُحسم بعد. وما دام هناك من يرفض أن يتحول إلى مجرد رقم في طاحونة الحياة، فإن العالم لا يزال يحتفظ ببقايا نور وسط هذا الضجيج الهائل.
ربما أخطر ما يواجهه الإنسان اليوم ليس الحروب المعلنة، بل ذلك الاستنزاف البطيء الذي يجعله يعتاد الألم حتى يظنه جزءًا طبيعيًا من الحياة. فحين يصبح الخوف عادة، والتوتر رفيقًا دائمًا، والقلق خبزًا يوميًا، ندرك أن “موسم فرم البشر” لم يعد مجرد تعبير مجازي، بل واقعًا يعيشه الملايين في صمت.
لقد صار الإنسان في كثير من الأحيان يُستهلك نفسيًا وعقليًا قبل أن يُستهلك جسديًا، وصار كثيرون يسيرون فوق الأرض بأجساد حية وقلوب متعبة وأرواح أنهكها الركض الطويل. عالمٌ سريع، قاسٍ، مزدحم، لا يمنح الناس فرصة كافية لالتقاط أنفاسهم أو استعادة ذواتهم.
لكن وسط كل هذا، يبقى التمسك بالرحمة، والوعي، والإنسانية، شكلًا من أشكال المقاومة. فليس مطلوبًا من البشر أن يتحولوا إلى آلات حتى ينجوا، ولا أن يفقدوا مشاعرهم حتى يستمروا. إن أعظم انتصار اليوم ربما يكون في قدرة الإنسان على الحفاظ على قلبه نقيًا، وعقله حاضرًا، وروحه حيّة، رغم كل ما يدور حوله من سحقٍ وضغطٍ وضجيج.
فالعالم قد يفرض مواسم كثيرة من القسوة، لكن الإنسان الحقيقي هو من يرفض أن يسمح لهذه المواسم بأن تسحق إنسانيته بالكامل.
ورغم كل هذا السواد الذي يملأ المشهد، ورغم ذلك التعب الهائل الذي يسكن وجوه البسطاء في كل مكان، يبقى هناك شيء واحد لم تستطع قسوة العالم أن تنتزعه من قلوب المطحونين، وهو الأمل. نعم، قد تُرهق الحياة الأجساد، وقد تنحني الظهور تحت أثقال الفقر والحرمان والخذلان، لكن الروح الإنسانية تظل قادرة على النهوض مهما اشتدت العواصف.
إن الشعوب البسيطة التي عاشت سنوات طويلة من القهر والجوع والخوف، لم تكن يومًا شعوبًا ضعيفة كما يظن البعض، بل كانت دائمًا تملك قوة الصبر، وقوة الاحتمال، وقوة الإيمان بأن بعد العسر يسرًا، وأن الليل مهما طال فلا بد للفجر أن يأتي. فكم من أمٍ فقيرة نامت جائعة وأطعمت أبناءها، وكم من أبٍ مسحوق أخفى دموعه حتى لا تنكسر قلوب أسرته، وكم من شابٍ حاصرته الظروف لكنه ما زال يحلم بغدٍ أفضل، وكم من طفلٍ يعيش وسط الألم لكنه لا يزال يبتسم للحياة ببراءةٍ نقية.
إن العالم مهما اشتد ظلمه، لا يستطيع أن يمنع الشمس من الشروق، ولا أن يمنع الأمل من التسلل إلى القلوب المتعبة. فالتاريخ نفسه يخبرنا أن الأيام لا تبقى على حال، وأن الشعوب التي ذاقت المرارة يومًا، قادرة بإرادتها وصبرها ووحدتها على صناعة لحظات النهوض من جديد.
ولعل أجمل ما في الإنسان البسيط أنه رغم كل ما يفقده، يبقى متمسكًا بالحياة. يبني أحلامه الصغيرة فوق أنقاض التعب، ويزرع الأمل في قلوب أبنائه حتى وهو لا يملك إلا القليل. هؤلاء البسطاء هم في الحقيقة العمود الحقيقي لأي وطن، وهم الذين يحملون العالم فوق أكتافهم بصمتٍ دون ضجيج.
ولذلك، فلا ينبغي للمطحونين والمنهكين أن يظنوا أن الله قد نسيهم، أو أن الحياة أغلقت أبوابها إلى الأبد. فكم من ضيقٍ ظنه الناس نهاية، ثم تحول بعد الصبر إلى بداية جديدة. وكم من دمعةٍ سقطت في ليلٍ طويل، أعقبها فرج لم يكن في الحسبان.
إن الأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، بل تُبنى أيضًا بدعوات الفقراء، وصبر الأمهات، وعرق العمال، وأحلام الشباب الذين لم يفقدوا إيمانهم بالمستقبل رغم كل الصعاب. ولهذا، فإن الغد قد يحمل ما هو أجمل، حتى وإن بدا الطريق الآن مليئًا بالأوجاع.
فلا تيأسوا أيها البسطاء، ولا تنكسروا أمام قسوة الأيام، لأن الله يرى القلوب المنهكة، ويسمع دعوات المظلومين، ويعلم حجم المعاناة التي لا يراها أحد. وربما تأتي اللحظة التي تتغير فيها الموازين فجأة، ويشرق النور في الأماكن التي ظن الجميع أنها غرقت في الظلام إلى الأبد.
سيأتي يوم يهدأ فيه هذا الطحن الكبير، وتتنفس فيه الأرواح المتعبة، ويشعر الإنسان البسيط أن الحياة لم تعد حربًا مفتوحة عليه. وسيبقى الأمل دائمًا هو النجاة الأخيرة التي لا يملك العالم كله القدرة على قتلها.

حسين السمنودى موسم فرم البشر الجارديان المصريه