الإثنين 18 أكتوبر 2021 12:28 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الإعلامى والروائى محمد جراح يكتب : من مذكرات مسافر قديم..الرحلة إلى المنيا (الجزء الأول)                                        

الإعلامى والروائى محمد جراح
الإعلامى والروائى محمد جراح

خلال مدة من الزمن جاوزت ثلاث ساعات بقليل هبطنا إلى رصيف المحطة الكبيرة؛ وقبل أن نغادرها أطلق القطار نفيره معلناً مواصلة مسيرته باتجاه الجنوب!.

المنيا، هذا هو اسمها الذي أعرفه؛ والذي تذكرنا به لافتات محطة القطار، على الفور حاصرتني الذكريات وأنا أدفع بحقائبي خارج المحطة حيث الصخب والزحام في هذه المنطقة التي تتوسط مساحة مصر، تذكرت على الفور الجميلة (نفرتيتي) التي تتخذ المحافظة من صورة رأسها المستقر في مدينة برلين بألمانيا شعاراً لها؛ وتذكرت الملك الحالم إخناتون صاحب دعوة التوحيد الشهيرة وجهاده مع كهنة الإله (آمون) الذي انتهى باختفائه هو وأسرته؛ تذكرت مقابر وأضرحة كبار الحكام ممن تولوا شأن المقاطعات زمن الفراعنة؛ مثلما تذكرت مناطق (تونا الجبل)؛ و(الأشمونين)؛ و(الشيخ عبادة)؛ و(ماريا القبطية)؛ وأضرحة بعض الصحابة في صحراء مدينة (البهنسا)؛ ومقام (السبع بنات) وقصة معارك جيش المسلمين في تلك البقعة من أرض مصر.

انطلقت بنا السيارة تحملنا بأمتعتنا إلى حيث مكان الإقامة؛ وكان عليّ أن أصعد إلى غرفتي؛ واستبدال ملابسي؛ ثم تناول الغداء بسرعة؛ حيث ستبدأ على الفور جولتنا إلى هذه المحافظة..

بدت الشوارع بسيطة لكنها كانت نظيفة هادئة تذكرت على الفور ما نادى به البعض بضرورة أن تكون هذه المحافظة هي عاصمة مصر بدلاً من المدينة العتيقة والمزدحمة القاهرة؛ فعلاً ماذا لو كانت قد أصبحت هذه المدينة عاصمة للقطر المصري كله؟، أليست المنيا تقع في منتصف البلاد تقريباً؟؛ لماذا تم العدول عن تلك التوصيات والشروع في بناء عاصمة إدارية جديدة تتاخم القاهرة القديمة وتلتحم بها؟ وهل كان الملك (أخناتون) وهو يشيد عاصمة المملكة الجديدة التي سماها (آخت آتون) أي أفق الإله آتون والتي تقع حالياً في منطقة تل العمارنة هارباً من زحام العاصمة العتيقة (طيبة)؛ أم تراه كان مبتعداً عن سطوة تجار العقيدة؛ ومحتكري الدين؛ الذين أجهدوه وناوئوه فلم يجد بداً إلا أن يفارقهم؟!.

مدينة (المنيا) مدينة صغيرة مهما حاولت بعض شوارعها أن تخدعك بزحامها المؤقت؛ والتي تتراص فتتعامد طولياً على طريق الكورنيش الواسع والهادئ حيث النيل الخالد؛ بينما في الطرف الآخر الطريق الموازي إلى ترعة الإبراهيمية؛ حيث الطريق الزراعي القديم المؤدي إلى باقي محافظات مصر جنوباً وشمالاً؛ والذي ظل هو الطريق الوحيد حتى وقت قريب قبل أن تشق الدولة طريقين سريعين جديدين شرق وغرب النيل.

أما (المنيا) المحافظة فهي محافظة كبيرة؛ وهي واحدة من أطول محافظات مصر؛ فطولها يبلغ 135كم وعرضها حوالي 17.5 كم؛ فحدودها من الشمال محافظتا بني سويف والفيوم؛ ومن الجنوب أسيوط؛ بينما الصحراوان الشرقية والغربية ترسمان لها حدودها على هذين الاتجاهين، أما النيل فيجري فيها مجرى الشريان في الجسد المتدفق بالحياة؛ وإن كان عرضه هنا أقل من أماكن أخرى كثيرة.

تحدث إلينا دليلنا السياحي ممهداً بقوله: إن المنيا أرض حضارة منذ برزت إلى الوجود؛ فهي الأرض التي تربى فيها الملك الشهير (خوفو) صاحب هرم الجيزة الأكبر؛ وعلى أرضها أطلق الملك أمنحوتب الرابع المعروف باسم (إخناتون) دعوته الدينية الجديدة والتي نادى فيها بإخلاص وإفراد العبادة لإله واحد اسمه (آتون) حتى اعتقد البعض أن نداء ذلك الملك كان نداء للعودة إلى الرشد والوحدانية، كما أنها أي المنيا كانت مكان ميلاد ملك شهير آخر هو الملك (حورمحب).

ابتسم دليلنا السياحي ونحن نوازي في سيرنا نهر النيل الخالد؛ وواصل قائلاً وهو يشير ناحية النهر: في هذه المنطقة كما هو الحال في عموم مصر تجمعت معالم حضارات عدة هي الحضارات المصرية القديمة؛ والرومانية؛ والقبطية؛ والإسلامية؛ بما يعني أن التاريخ لم ينقطع في أي حقبة من حقب الزمن المتعاقبة عن هذه المنطقة التي كانت تضم ثلاث مقاطعات زمن الفراعنة هي المقاطعات أرقام 15؛ 16؛ 17.

واصل الدليل شارحاً: اسمها جاء من كلمة (مني) القديمة والتي تعني المنزل، وهي أيضاً (منعت خوفو) أي مرضعة خوفو لأن الملك (خوفو) صاحب الهرم الأكبر تربى بها، وهي أيضاً (منية ابن الخصيب) لأن الوالي (الخصيب بن عبد العزيز بن الخليفة العباسي) تمناها وتحققت أمنيته بولايته عليها، وهي (منيا الفولي) تيمناً بالعارف بالله الشيخ (علي بن محمد علي المصري) الشهير بسيدي (أحمد الفولي) الذي يقوم مسجده وضريحه على شارع الكورنيش في عاصمة المحافظة.

##منطقة بني حسن

عندما وصلنا منطقة بني حسن شدتني الرسوم والنقوش الفرعونية بألوانها الزاهية وتفاصيلها الدقيقة المنقوشة على المقابر المفتوحة للزيارة، اقترب مني وهو يبتسم قائلاً: المنيا تاريخها تكتبه مجموعة حكايات!، انتبهت إليه؛ فقلت دون أن أفكر: من المؤكد أنها ستكون حكايات جميلة؟

قال وقد ازدادت ابتسامته: إحساسنا بالأشياء يعد أمراً نسبياً؛ فلا يمكن أن أعمم رأياً لمجرد اقتناعي به!.

قلت: أعلم أن لكل أمر مقدمات؛ والتاريخ عرفناه دائماً على أنه حكي جميل، سواء جاء الحكي إيجاباً أو سلباً؛ فإن كانت الأولى كان فخراً؛ وإن كانت الثانية كان اعتباراً ودروساً مستفادة!.

قال لي هذا كلام علمي دقيق؛ والتاريخ كله هو دروس شريطة ألا نقع في أسره؛ فمن يعتبر من التاريخ يستطيع بناء المستقبل!.

قلت له وأنا أنظر تجاه المقابر التي تسكن الصخر: بالتأكيد؛ فلا بنيان بدون أساس؛ والتاريخ هو أساس المستقبل!.

كان مجموع المقابر يصل إلى الرقم 39، نعم تسع ونلانون مقبرة تعود إلى عصر الدولة الوسطى 3139ق م – 1778 ق م، حسب تقسيم عصور الفراعنة؛ والمقابر كلها منحوتة في الصخر؛ وتعود لأشراف وحكام تلك المنطقة؛ وما يميزها أنها طليت بطبقة من الجص لتسهيل عملية الرسم والنقش عليها؛ وبالفعل فقد جاءت الرسوم والنقوش في أبدع صورة؛ وتعد حوائط تلك المقابر بمثابة سجل صادق للحياة في ذلك العصر الذي تميز باتساع نفوذ هؤلاء الحكام؛ وازدهار الحياة الثقافية والاجتماعية
بصفة عامة؛ وتعد المناظر الرياضية المصورة على مقابر كل من (خيتي)؛ و(إمنمحات) المعروف أيضاً باسم (أميني)؛ و (خنوم حوتب) دليلاً على أن المصريين القدماء كانوا يلعبون المصارعة؛ واليوجا؛ وغيرها من الرياضات الشهيرة الآن.

##تل العمارنة

في اليوم الثاني كان علينا أن نتوجه إلى أقصى جنوب المحافظة حيث مدينة (دير مواس) التي تضم منطقة (تل العمارنة) أو (آخت آتون) عاصمة المملكة زمن الملك إخناتون؛ تلك المنطقة التي اختارها (إخناتون) مهبطاً لوحيه وعاصمة لملكه؛ وأرادها مدينة مطهرة من أنفاس (آمون) وكهنته الضالين؛ وحدد حدودها بأربع عشرة بوابة تلف المدينة كلها.

كأنني الآن أرى (إخناتون) وهو ينشد ويترنم بترانيمه العذبة لآتون، فهذه هي أطلال معبد (آتون) الكبير؛ كيف تراه كان المعبد قبل أن يتهدم ويصير حطاماً؟! ربما لم يكن يختلف عن حاله الآن كثيراً فالمعبد في تلك الفترة لم يكن يغطيه سقف مثل المعابد الأخرى؛ فهو مفتوح لكي يستقبل نور الإله المتجسد في قرص الشمس؛ وهو في الوقت نفسه بسيط التكوين؛ فهذا كان فناء الاحتفالات؛ أما هذا فكان مكان التقاء الملك بإلهه ودعاءه له، أما الذي هناك فهو الهيكل؛ وكان يتوسط قدس الأقداس؛ وكان هذا المكان هو أسمى وأقدس مكان في المعبد.

أما أهم المقابر هنا فهي مقبرة (حويا)؛ و(مقبرة مري رع )2، ومقبرة (أحموزا)، و(بانتو)؛ و(با نمسي)؛ و(با رن نفر) وغيرهم؛ وكذلك مقبرة (آي) الذي كان كبيراً لكهنة (آتون) والمشرف على خيول الملك؛ ووالداً للملكة (نفرتيتي)، ولذلك فقد اكتسب لقب (الأب الإلهي) في ذلك الوقت؛ حتى صار ملكاً متوجاً بعد وفاة الملك الصغير (توت عنخ آمون).

أما المقبرة التي تحمل رقم 26 فهي المقبرة الملكية؛ ولعل أهم ما يميز هذه المقبرة هي مجموعة الأناشيد المعروفة باسم (أناشيد إخناتون)، كان الملك يتعبد هو وأسرته في بعض الرسوم والنقوش، بينما حفلت حوائط أخرى بمناظر صيد النعام والغزلان، بينما الزنوج والأسيويون يقدمون القرابين؛ فضلاً عن مناظر للملك وهو يداعب ابنته (باكت آتون)؛ أما هنا فكان مكان مكتب السجلات الذي أكتشف سنة 1887م ( وكان به العديد من الرسائل المكتوبة بالخط المسماري) وكانت عبارة عن مراسلات بين الملوك أمنحوتب الثالث؛ وأمنحوتب الرابع؛ وتوت عنخ آمون مع حكام البلدان التابعة للنفوذ المصري في منطقة الشام القديم في ذلك الوقت.

يتبع...

#محمد جراح كاتب روائي وباحث تاريخي وإعلامي مصري
عضو اتحاد كتاب مصر