الجمعة 19 يوليو 2024 03:41 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الناقد والكاتب المسرحى سعدى عبد الكريم يكتب : التوافق الجمالي بين وظيفة الكتابة .. وتقنية الإخراج في المسرح العراقي

الناقد والكاتب المسرحى سعدى عبد الكريم
الناقد والكاتب المسرحى سعدى عبد الكريم

يُعدُ التوافق الجمالي (Aesthetic compatibility) من أهم المعايير الأسلوبية في إنضاج ذلك الإخصاب المؤسساتي الفني بين (وظيفة الكتابة) و(تقنية الإخراج) لأنهما وفق منطوق الاشتغال الجمالي محاولة لتنشيط فاعلية المنظومة الخاضعة لفهمٍ ودرايةٍ علميةٍ، فنيةٍ، وتنظيريةٍ موكلةٍ لمهام (فن المسرح) الذي هو بالأساس مهمة تنفيذية، ومساهمة في عملية ( تنفيذ الإنجاز) Implementation of the achievement)) المبني على رؤى جمالية داخل معمارية الصورة الفنية المرئية، والتي لا تنجز بمجرد توازن كامل او شبه كامل بين مختلف عناصر المشاهدة المتمثَّلة أولا بالنصّ ، ومرورا بالتحليل والتفسير ثانيا ، وانتهاءً بالممثل، والسينوغرافيا، و(اللعب الحرّ) بجلّ اشكاله المتاحة لإحالة العرض المسرحي الى فرجة جمالية خاضعة لفرضية التأويل ، وهناك العديد من الضرورات في اعتقادنا عليها ان ترافق هذه الملاذات الفنية والتقنية لخدمة العرض ، فتماسك الدلالات السيميائية الخالصة في وظيفة الكتابة للمسرح لها فاعليتها الغير محدودة بنقل حيثيات الخلفية الإدراكية الحسيّة الاستاتيكية وجيناتها المتصوَّرة (الماورائية) للشكل الانتهائي للنتاج الصوري المرئي المُجسد ، والنحت اللغوي المنجدي ، او الشعري داخل النص المسرحي ، بل على الكاتب ان يكابد في تصويرها ، ومن ثم اجراء الفحص المتأني لعملية توصيلها بشكل فني متقن الى منصة التفسير المتسيّد على نواصيها منفذ الرؤية الفرجوية (المخرج) وبذا تكون عملية تنفيذ الانجاز أو عملية الانجاز المسرحي ، وبالمعنى الأعم، تتلخص وفق الملاحظة في مدى تأسيسها الفاعل في روح المُنتج ، او المنجز العرضي المتكامل، وهي عملية فلسفية متقدمة على عملية الإبداع النصّي التدويني ، أي وبمعنى موجز ، أنها منتج متطور لجلّ الفسحات الإبداعية والفنية والتقنية المرتبطة باجتهادات تنظيرية ناهضة داخل الحاضن الجمالي للمنتج التفسيري الطرائزي بقواعده وثوابته وشرائطه ، بل وحتى في المتغيرات الطارئة عليه والمحلقة في ملكوت رؤية (فن الإخراج) وتحديدا في السنوات العشرين المنصرمة ، فقد تجاوزت هذه العناصر والمهام وظيفة الكتابة للمسـرح العراقي (النصّ) بالكثير من المراحل ، بحيث ظلّ الثاني يراوح في مكانه النمطي الآمن ، الذي يدور في فلك مرجعيات وقرائن المخرج التنظيرية الأسلوبية ، وإخضاع النصّ ربما بعد التعديلات التي يراها ملائمة الى متصوّره الذي يكتب ملامحه من خلال (سيناريو) آخر مغاير لتداولية النص ، ليتجاوز من خلالها جملة من الهفوات والخلط الاسلوبي والمدارسي التي يتعرض لها الكاتب في مراحله الأولى ، ليصار الى تجاوز هذه المرحلة التي هي اصلا مرحلة ناهضة من مراحل الانجاز او التنفيذ المسرحي ، وهذا يدل على ان جسد الكتابة المسرحية قد ترهل بتطور مكتنزات الإخراج المسرحي ، واخذ الثاني على عاتقه اضافة جهود استثنائية في تحميل معاني محاذية للنصّ من اجل التخلص من ثقل عدم التوازن الحاصل بين النصّ كمشروع ابتدائي محكوم بنتاج الاستقراء لإحالته الى مرحلة التصوّر والتفسير والتحليل ومن ثم التأويل، وإخضاعه لجملة من التدابير (الالغائية) في المشاهد و(الدايلوكات) ليحال الى كينونة ذات روح ثانية فاعلة بالجسد العرضي بالأجمال ، غير التي دون معالمها الكاتب الأصيل .
ومن منطوق هذا الفهم أشار المخرج (روجي بلانشون) ( R. PLANCHON ) الى حالة التميز بين ما يسميه بـ(الكتابة الدرامية) و(الكتابة الإخراجية) وعلو كعب المرحلة الثانية، على الأولى لذا أكد (بلانشون) على لجوء المخرجين إلى المدونات الكلاسيكية كمسرحيات (شكسيبر) التي تنطوي على نقـلات مسرحيـة متنوعة وثرية، وهذا الفهم يقودنا وعلى ضوء رؤيتنا النقدية .. الى اعتبار المرحلة الثانية (الكتابة الإخراجية) قد تطورت بشكل ملحوظ وناشط ، وهذا الامتياز متأتي من حقيقية تطور الذهن الإخراجي العراقي ، لمواكبته للمنتج الخارجي ، والاستلهام منه ، وقبلها هو مُكوّن خزيني قرائي وتنظيري متراكم ، قد خلق لديه ذلك الوازع في التجديد ، كشرطية من شرائط مواكبته لذلك التطور التقني، والفني الحاصل على مستوى الصورة المسرحية بمختلف خصائصها المرئية في العالم ، بينما وكما اشرنـا ظلت المرحلة الاولى (الكتابة الدرامية) متأخرة ومنغلقة على ذواتها الثيمية والتناولية النمطية الاجتماعية والتراثية والأسطورية المتكررة ، ولوحظ تعثرها في إيجاد وصلة تلاحم بينها وبين هذا التطور الهائل في المحور المقابل ، في تاسيس العرض المسرحي عبر منافع الحداثة والتجديد الدائم في أدواته التقنية ، والفنية والأسلوبية المهارية.
وهذا بالتالي سيفضي بنا الى استنتاج مفاده ، أن الأزمة الحقيقية التي يعيشها المسرح العراقي هي عدم توافر النصوص المسرحية الجديدة التي تستطيع مواكبة هذه الطفرات الفنية زالتقنية الهائلة داخل رحم فن الإخراج المسرحي ، وأشكاله ومحتضناته العصرية المتطورة ، مما اضطر العديد من المخرجين الكبار في المسرح العراقي ، الى اللجوء الى النصوص العالمية لتعويض الفقر في النصوص المحلية ، او أعداد ثيمات ذات النصوص وإخضاعها لمتطلبات منجزهم العرضي الجمالي الذي يواكب مراحل تجاربهم الأكاديمية التنظيرية والفكرية ، في محاولة منهم لعدم الانكماش والانزواء والبقاء تحت رحمة النص المحلي الضعيف.
غير إننا ووفق نظرتنا النقدية .. لا نغفل بان هناك العديد من النصوص العراقية الجادة الحداثوية الرصينة ذات العمق التناولي المجدّد ، والفسحة الجمالية الراقية ، ذات الثيم المتقدمة في حبكتها وصراعها والمصاغة بإجادة تحتضن بداخلها عناصر التأسيس التدويني الناجع ، والمكتوبة بلغة ناهضة ذات قيمة عالية تكتنف في فحواها الدلالات السيميائية العلاماتية الاشاراتية المبشرة بنتاج نصي منصهر في بوتقة هذا الحيز الجمالي ، والمتجدد في تناول وطرح الأفكار التي من شأنها الربط بين التحريض على التغيير وفق منظومة اللحاق بركب المتغير المجتمعي، والفكري، والسياسي، والتكنولوجي الذي غزى العالم برمته ، ليحوله الى قرية صغيرة ، من الممكن معها التواصل المعرفي وتلاقح الافكار والطروحات، والعناية بدراسة مهمات الحداثة، وما بعدها ، وكانت لهذه النصوص الحصة الاكبر لرؤية النور لما امتلكته من تكامل فني اعتمد عليه العديد من المخرجين العراقيين وأخضعوه لرؤاهم التفسيرية وملكاتهم التأويلية ، وخصائصهم المذاهبية، والأسلوبية، والمدارسية وكانت حقاً محاولات ناجحة ومبهرة ، ولكنها لا تعتبر قاعدة عامة، وبخاصة بعد ظاهرة اختفاء العديد من الأسماء الكبيرة من كتاب الدراما المسرحية العراقيين أو هجرتهم ، أو فشلهم في مواكبة المتغير الحيّ في الجسد المجتمعي العراقي ، وبقوّا حائرين بين رغباتهم الشخصية ، ومواقفهم الذاتية، ونزعاتهم صوب الانفلات من قبضة ملاذاتهم الفائتة ، وانصهرهم داخل المجتمع العراقي الذي غزته بعض الافكار المنبوذة كالطائفية، والتحزب، والانفلات الامني في السابق، وكثرة الحروب وخرائبها، وبين اندماجهم في ملاحق التحرر والانعتاق داخل وطن جديد معافى متحرر ، ويبدو أن جملة هذه الأسباب قد عمقت هذه الهوة التي بقت جاثمة داخل جسد العرض المسرحي العراقي لفترة ليست بالقصيرة.
ومن هنا يبزر التساؤل الحيّ في الذاكرة المسرحية العراقية الناشطة ، هل من الممكن خلق جيل أنموذجي خلاق من كتاب الدراما المسرحية العراقيين ؟! وفسح المجال أمام صنّاع فن كتابة النصّ المسرحي من الشباب الجدّد ، لخلق نصاً مسرحياً عراقياً حداثوياً، واحتراف مهنة الكتابة المسرحية كمصدر اقتصادي، وفكري، هذا بالطبع متأتي من خلال فسح المجال أمام من لهم ملكات فنية مهارية عالية في صياغة نص مسرحي عراقي جديد، ومجدد ، أم علينا الإبقاء على ذات النصوص القديمة محاولين تقديمها بأطر ومعالجات أخرى كلما سنحت للمخرج فرصة المحاولة لمثل هكذا تجارب معملية، ومختبرية.
علينا إذن .. ووفق هذا النسق من التعامل الأكاديمي الصرف ، إيجاد، أو خلق، أو صناعة نص مسرحي عراقي جديد ، يتلائم مع المستجدات التقنية، والفنية، والرؤيوية الإخراجية الحداثوية المعاصرة.
ومن الملفت للنظر ان يحوز ذلك الاختزال والقصدية في التعامل مع معمارية الاتكاء على ذلك الكم القليل الحاضر في الساحة المسرحية من الكتاب المبدعين ، ويبدو ونجن إزاء هذا التساؤل؟!
بأن ليس هناك فكاك البتة في التخلص من براثن سلطة النص العالمي، وإسقاط ثيمته لرؤيتنا الإخراجية ، ودون التحيز لفرضية تقدم آليات تقنية الإخراج على مستوى وظيفية الكتابة في المسرح العراقي ، والتي تفرض علينا ببساطة ، تمتين أواصر العلاقة بين ( الكتابتين ) وظيفة الكتابة وسلطة الإخراج المسرحي ، لأنها علاقة ذات جذور تاريخية عميقة ضربت جذورها في أرضية المسرح العراقي منذ خمسين عاماً ، وتجذرت بفعالية عالية ، وأثمرت العديد من الأعمال التي يُشارُ لها بالبنان العملي، والعلمي، والجمالي بأنها أحدثت انفجارا تكوينا رائعا في العديد من المناسبات الفرجوية ، على مسارح بغداد والمسارح العربية ، بل وحتى على المستوى العالمي أيضا ، فحازت على إعجاب الأكاديميين، والمتخصصين في محافل، ومهرجانات عديدة ، وكان لها الفكر النير، والوعي المسرحي النوعي في تأسيس ملامح وأشكال، وصور، ومناهج المسرح العربي الحديث.
وعند الامتثال لفرضية تسيد المخرج باعتباره الوسيط بين النص والمتلقي لإحداث امثل صور الاستجابة الحقيقية لفرجة العرض المسرحي ، من الممكن ان نستنتج من خلال هذه الوظيفية الفنية – التقنية الجمالية بان هناك جملة من الإغراءات التي من الحتمية أن ينصاع لها المخرج المسرحي اذا ما توافر النص الذي يحتم عليه القبول بفرضية وجود النص المحكم ، وعدم تجاوزه باي حال من الاحوال باعتباره نتاج إبداعي محض وذو نفس ينبض بالحياة من خلال كاتبه الاصيل أي (وظيفة الكتابة) وهذا راجع بطبيعة المنجز التدويني الى عامل المتانة الثيمية وطريقة التناول وطرح الموضوعة ورصانة لغتها وتثبيت الصورة المرئية المُتخلية عبر حدود النص باعتباره ابتكاراً معرفياً، وفكرياً كاملاً، وقائماً بذاته، ويحوز على المفاتن التي تخوله الى عدم ولوجه الى دائرة الاهمال ، والقفز علية بحجة الحصول على فرجة امثل ، وهذا ينسحب على (الممثل) و (السينوغرافي) وكافة المشتغلين بصنعة الفرجة المسرحية ، في التعامل مع النصّ المحلي باعتباره جسد أدبي محكوم بضوابط لا يمكن الانفصال عن مكامنها الأصيلة .
ومن هنا .. علينا التأكيد على ان المناخين الإبداعيين، والتكوينيّن الفنيين (وظيفة الكتابة) و (تقنية الإخراج) هما عنصران مهمان في عملية التلقي للعرض المسرحي ، وهما بالتالي متساويان في صنع الفرجة ، ومنصهران في بوتقة التطور الحقيقي للنشاط النقدي الذي يعتبر العنصر الجمالي التأويلي الذي يقف وسط هاتين الوظيفتين ، ليخلص الى المقاربة ما بين النص كمنتج ادبي ، وظيفته تقديم وجبة فكرية معرفية مهمة لذهن الاستقراء ، وبين المخرج باعتباره المتسيد والمسؤول على عملية التفسير والتحليل ، والوصول بالنص الى مناحي الجمال الحسيّة ، ومن ثم إحالته لصورة مرئية تأخذ على عاتقها التصوير الحصري لما يدونه الكاتب المسرحي العراقي من إرهاصات، وملاذات، وخلجات، ودلالات رمزية الى واقع سحري ملموس ، لتحصل تلك الدهشة ومن ثم الصدمة وبالتالي إحالتهما الى نبض تغييري ذاتي، وجمعي ، في الجسد المعاش وفق منظومة الفرجة الجمالية الرصينة المثلى .
إن المسرح العراقي ما يزال بخير، ما دام يتنفس تحت شجرته الوارفة الظلال، في حضور جملة من المعايير، والضوابط، والعناصر، يأتي على رأسها، كاتب يمتلك نواصي مهاراته التدوينية العالية ، ومخرج مُفسر فذ ، تكتنفه تلك الرؤى الغنية التأويلية ، ليحلقا معاً صوب مناخات الجماليات التكوينية بين وظيفة الكتابة، وتقنية الإخراج في أجواء عراقية صحية، ومعافاة وذات ميزات نوعية، ووعيوية راقية، لانتعاش المسرح العراقي، كنتاج تدويني للنص، وكعرض مبهر، وفرجة مسرحية جمالية ، تتسمُ بعبقٍ عراقيّ جديدٍ أخـاذ، ومن اجل الوصول الى الجدوى المتوخاة من الفعالية الإنتاجية الفنية، والتقنية في تجديد مفهوم، التوافق الجمالي .. بين وظيفة الكتابة .. وتقنية الإخراج في المسرح العراقي.

b0825080aa3f.jpg
تقنية الإخراج في المسرح العراقي الناقد والكاتب المسرحى سعدى عبد الكريم المسرح العراقى