الأحد 14 يوليو 2024 04:39 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

فنون وثقافة

الموسيقي و الأديب السكندري محمد سلطان يكتب .. قصة قصيرة بعنوان ( عامل التحويلة ) ..

الموسيقي و الأديب السكندري محمد سلطان
الموسيقي و الأديب السكندري محمد سلطان

تم تعيين رضوان عبد الصمد بوظيفة عامل تحويلة على أحد خطوط قطارات الصعيد .. كانت منطقة التحويلة شبه نائية .. سكانها القليلون يقطنون أماكن متناثرة على أجناب خط السكة الحديد .. و مقر إقامة رضوان عبارة عن كشك خشبي ، كان بمثابة استراحة بسيطة لبعض عمال السكة الحديد ، أو عمال التراحيل الذين يمرون من تلك المنطقة ، فيقضون في ذلك الكشك فترة من الوقت .. ثم يذهب كل منهم إلى حال سبيله ..
و هكذا كان الكشك دائما و أبدا ، عامرا بعابري السبيل ، الذين يقطعون على صاحبنا وحدته القاسية .. حيث كانوا يسهرون معه طوال الليل ، يشعلون النار في الحطب و يضعون فوقها براد الشاى ، ثم يأتي إليهم صاحبنا بالشيشة ، التي صنعها بنفسه من فرط الملل الذي يعانيه .. و هكذا يقضون الليل يتبادلون الأنفاس .. و الحكايات .. التي تدور كلها عن تلك الحياة و كيف أنها صعبة و تافهة و نهايتها الحتمية - بعد كل ذلك العناء - الموت .. ( أهي أيام بنقضيها و آخرتها الموت ) .. على حد تعبير صاحبنا .. و رضوان كان موقنا بأن المصيبة آتية لا محالة ، لكن المسألة .. مسألة وقت ليس إلا .. فهو بحكم عمله الممل ، قد يخطئ ذات مرة في التحويلة و ينجم عن ذلك حادثا بشعا و يروح هو ف ستين داهية .. أو أن أحد أفراد قريته بالصعيد ، قد يعثر عليه طلبا للثأر .. و كثيرا ما كان يحوم حول تلك الموضوعات - بطريقة أو بأخرى - أثناء سرده لحكاياته الطوال لرفاق كشك التحويلة .. و العجيب أن صاحبنا لم يقتل أحدا ، حتى يظل هكذا شريدا هائما على وجهه في بلاد الله ، لكن القاتل الحقيقي كان إبن عمه .. و لما كان رضوان هو أعلى أفراد عائلته شأنا ، فقد وقع عليه الإختيار أخذا بالثأر .. عادات بالية و تقاليد ذميمة و أعراف بالية .. لكن - و بكل أسف - كان ذلك هو واقع الحال ، و لذا كان قراره بترك قريته هربا من الثأر ( الذي لم يكن له يد به ) ..
و على مقربة من كشك التحويلة ، يوجد بيت بسيط ، يعيش فيه أسرة صغيرة عبارة عن الأب و قد كان كفيفا فقد بصره في حادث قديم و الأم .. و الإبنة .. و هى فتاة في ريعان الشباب ، ترعى الأغنام في الصباح الباكر ، ثم تعود للمنزل حينما تدب الحياة في ذلك المكان .. أما آخر أفراد الأسرة فهو غلام صغير لم يكمل الثامنة من عمره ، كان يرافق شقيقته أينما ذهبت ... كان صاحبنا يرمق الفتاة بنظراته عند خروجها من المنزل لرعى الأغنام ، و كانت الفتاة تتعثر في الأرض من فرط الخجل و شدة الحياء .. لكن ذلك لم يكن من المواقف العابرة .. إذ أن صاحبنا عرف لاحقا أن الفتاة كانت تعبر الترعة المتاخمة لمنزلهم بعد ظهر كل خميس و هى تحمل معها البيض و الجبن و عدد من الطواقي الصوف التي كانت تغزلها بنفسها .. و هناك تبيع تلك الأشياء - حيث يقام سوق الخميس - و بثمنها تشتري السكر و الشاى و الصابون .. و الأسبرين .. و بعض الدهانات التي يقال أنها علاج للروماتيزم ، الذي كان يعاود أمها بين الحين و الآخر .. و كان رضوان حريصا على الذهاب إلى السوق كل خميس حتى ينظر إليها مليا و عن قرب .. و بالطبع فقد لاحظت الفتاة ذلك ، فكانت تسعى للإنتهاء من أعمال البيع و الشراء في أسرع وقت ممكن ، حتى تعود للمنزل قبل أن يحل الظلام .. و تهربا من الموقف الذي لا تعرف كيف تواجهه ..
و بالرغم من أن الفتاة ريفية المنشأ ، إلا أنه كان يظهر عليها و بوضوح أى لمسة جمال تضفيها على نفسها .. فقليل من الكحل حول عينيها ، كان يزيدها حسنا و جمالا ... بدأت الفتاة تحتل جانبا كبيرا من تصورات و تخيلات صاحبنا ، لم يستطع الإفلات منه أبدا ..
و ذات مرة في إحدى ليالي الشتاء القارسة - و بينما صاحبنا يجلس في الكشك بعد أوقد نارا طلبا للدفئ ، فإذا به يلمح الغلام شقيق الفتاة قادما نحوه و بيده لفافة ، فلما دنا منه سأله رضوان عما جاء به ، فمد الصبي يده باللفافة قائلا : أختي أرسلتني بهذا لك .. خذها فقد تعينك على برد الشتاء ... فتح رضوان اللفافة فوجدها طاقية صوف غزلتها الفتاة خصيصا له .. ياه .. ما هذا .. معنى ما فعلته الفتاة ، أنها تخاف عليه من ذلك البرد القارس .. ليس كذلك فحسب .. بل أنها تبادله نفس الشعور ... يا للأسف .. لو كنت أستطيع أن أستشعر تلك السعادة .. لكنت طرت من الفرح .. لا يا واد يا رضوان .. لا تدع تلك الهموم تتطرق إلى رأسك ، فتفسد عليك تلك اللحظات السعيدة ... هكذا كان صاحبنا يحدث نفسه طوال الليل ... و في صباح اليوم التالي - و كعادتها كل يوم - خرجت الفتاة لترعى الغنم ، تلاحقها عيون رضوان ، حتى ابتعدت عن المكان .. و فجأة إذ بصاحبنا يسمع صوت صرخة مكتومة .. على الفور يهرع إلى المكان ، فيجد الفتاة و قد سال الدم من ذراعها إثر انزلاق قدميها على حافة الترعة .. بسرعة يساعدها على النهوض .. ثم يخلع سترته ليربط بها ذراع الفتاة ... و بينما هو ممسك بذراعها .. تلاقت عيناهما .. ساد الوقت حالة من الوجود .. ليقطع رضوان ذلك السكون على كلمة واحدة : تتجوزيني .. ؟
- أبويا دايما ف انتظارك ..
و مضى رضوان بصحبة الفتاة إلى بيت والدها ... رغم يقينه أنه سيخطئ ذات مرة في التحويلة ... أو أن أحدهم قد يعثر عليه .. و لو بالصدفة ... طلبا للثأر .... ( إنتهت ) .

الموسيقي و الأديب السكندري محمد سلطان قصة قصيرة ( عامل التحويلة ) ..